ابن الجوزي
254
زاد المسير في علم التفسير
هذه القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] بأمر لم يشاهدوه ، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث ، فدلهم عليه باحياء الموتى في الدنيا ، ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري . قوله [ تعالى ] : ( إن الله لذو فضل على الناس ) نبه عز وجل بذكر فضله على هؤلاء على فضله على سائر خلقه مع قلة شكرهم . وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ( 244 ) قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله ) في المخاطبين بهذا قولان : أحدهما : أنهم الذين أماتهم الله ، ثم أحياهم ، قاله الضحاك . والثاني : انه خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فمعناه : لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء ، فما ينفعكم الهرب ( واعملوا أن الله سميع ) لأقوالكم ( عليم ) بما تنطوي عليه ضمائركم . من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ( 245 ) قوله [ تعالى ] : ( من ذا الذي يقرض الله ) قال الزجاج : أصل القرض ما يعطيه الرجل أو يفعله ليجازى عليه ، وأصله في اللغة القطع ، ومنه أخذ المقراض . فمعنى أقرضته : قطعت له قطعة يجازيني عليها . فإن قيل : ما وجه تسمية الصدقة قرضا ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدهما : لأن القرض يبدل بالجزاء . والثاني : لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة . والثالث : لتأكيد استحقاق الثواب به ، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به . فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا ، فقالوا : أيستقرض الله منا ؟ وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله ، وبادروا إلى معاملته قال ابن مسعود : لما نزلت هذه الآية ، قال أبو الدحداح : وإن الله ليريد منا القرض ، فقال النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] : نعم . قال : أرني يدك . قال : إني أقرضت ربي حائطي ، قال : وحائطه فيه ستمائة نخلة ، ثم جاء إلى الحائط ، فقال : يا أم الدحداح أخرجي من الحائط ، فقد أقرضته ربي . وفي بعض الألفاظ : فعمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواههم ، وتنفض ما في أكمامهم ، فقال