إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
941
زهر الآداب وثمر الألباب
والأسد وزئيره ، والطير وصفيره ، والماء وخريره . نحن بين لثق ، ورثق ، وزلق « 1 » يوم كأنّ الأرض شابت لهوله . يوم فضّى الجلباب ، مسكى النقاب ، عبوس قمطرير ، كشّر عن باب الزمهرير ، وفرش الأرض بالقوارير . يوم أخذت الشّمال زمامه ، وكسا الصّر « 2 » ثيابه . يوم كأن الدنيا فيه كافورة ، والسماء بلَّورة . يوم أرضه كالقوارير اللامعة ، وهواؤه كالزنابير اللاسعة . يوم أرضه كالزجاج ، وسماؤه كأطراف الزّجاج « 3 » . يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم ، ويخف الثقيل إذا هجر ، نحن فيه بين أطباق البرد فما نستغيث إلا بحرّ الراح ، وسورة الأقداح . ليس للبرد كالبرد ، والخمر ، والجمر . إذا كلب الشتاء ، فترياق سمومه الصّلاء ، ودرق سيوفه الطَّلاء « 4 » . نقيض ذلك من كلامهم في وصف القيظ وشدة الحر قوى سلطان الحرّ ، وبسط بساط الجمر . حرّ الصيف ، كحدّ السيف . أوقدت الشمس نارها ، وأذكت أوارها . حرّ يلفح حرّ الوجه . حرّ يشبه قلب الصبّ ، ويذيب دماغ الضّبّ . هاجرة كأنها من قلوب العشاق ، إذا اشتعلت فيها نار الفراق . هاجرة تحكى نار الهجر ، وتذيب قلب الصخر . كأن البسيطة من وقدة الحر ، بساط من الجمر . حرّ تهرب له الحرياء من الشمس ، قد صهرت الهاجرة الأبدان ، وركبت الجنادب العيدان . حر ينضج الجلود ، ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتدادا ، وحرّ كحر الوجد اشتدادا . حرّ لا يطيب معه عيش ، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش . حمارّة القيظ ، تغلى كدم ذي الغيظ . آب آب يجيش « 5 » مرجله ، ويثور قسطله . هاجرة كقلب المهجور ، أو التنور المسجور . هاجرة كالجحيم الجاحم ، تجر أذيال السمائم .
--> « 1 » اللثق : ركود الريح وكثرة الندى ( م ) « 2 » الصر - بكسر الصاد - شدة البرد ( م ) « 3 » الزجاج - بكسر الزاي - جمع زج ( م ) « 4 » كلب الشتاء : اشتد وقسا ، والترياق : دواء السموم ، والصلاة : الدفء بالنار ، والطلاء : الخمر ( م ) « 5 » آب : رجع ، وآب : اسم شهر من شهور الصيف ، وفى نسخه « آب آب بجيش مرجلة وتنور قسطله » تحريف ( م )