إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1150
زهر الآداب وثمر الألباب
[ من رسائل بديع الزمان ] كتب البديع أبو عبد اللَّه أحمد بن الحسين بن يحيى : أما أبو فلان فلا شك أنّ كتابي يرد منه على صدر محا اسمى من صحيفته ، وقطع حظَّى من وظيفته ، ونسي اجتماعنا على الحديث والغزل ، وتصرفنا في الجدّ والهزل ، وتقلَّبنا في أعطاف العيش ، بين الوقار والطَّيش ، وارتضاعنا ثدي العشرة ؛ إذ الزمان رقيق القشرة ، وتواعدنا أن يلحق أحدنا بصاحبه ، وتصافحنا من قبل ألَّا نصرم الحبل ، وتعاهدنا من بعد ألَّا ننقض العهد ، وكأني به وقد اتخذ إخوانا فلا بأس ، فإن كان للجديد لذة فللقديم حرمة ، والأخوّة بردة لا تضيق بين اثنين ، ولو شاء معاشرنا في البين ، وكان سألني أن أرتاد له « 1 » منزلا ماؤه روىّ ، ومرعاه غذى ، وأكاتبه لينهض إليه راحلته ؛ فهاك نيسابور « 2 » ضالَّته التي نشدتها وقد وجدتها ، وخراسان أمنيته التي طلبتها وقد أصبتها ، وهذه الدولة بغيته التي أرادها وقد وردتها ، فإن صدّقنى رائدا ، فليأتنى قاصدا . وله إلى بعض إخوانه يعزيه عن أبيه : وصلت رقعتك يا سيدي والمصاب لعمر اللَّه كبير ، وأنت بالجزع جدير ، ولكنك بالعزاء أجدر ، والصبر عن الأحبّة رشد كأنه الغىّ ، وقد مات الميت فليحى الحىّ ، والآن فاشدد على مالك بالخمس ، فأنت اليوم غيرك بالأمس ، وكان الشيخ رحمه اللَّه وكيلك ، تضحك ويبكى لك ، وقد موّلك ما ألَّف في سراه « 3 » وسيره ، وخلفك فقيرا إلى اللَّه غنيا عن غيره ، وسيعجم الشيطان عودك ، فإن استلانك رماك بقوم يقولون : خير المال ما أتلف بين الشراب والشباب ، وأنفق بين الحباب « 4 » والأحباب ، والعيش بين القداح والأقداح « 5 » ، ولولا الاستعمال ، ما أريد المال ! فإن أطعتهم فاليوم في الشراب ، وغدا في الخراب ، واليوم واطربا للكاس ، وغدا واحربا من
--> « 1 » أرتاد : أطلب ( م ) « 2 » في نسخة « فهاهى نيسابور » ( م ) « 3 » في نسخة « ما ألف من سراه » ( م ) « 4 » الحباب - بفتح الحاء - وهى نفاخات الماء ( م ) « 5 » القداح : أراد بها قداح الميسر ، والأقداح : أراد بها كؤوس الخمر ، يعنى يضيع المال بين المقامرة والسكر ( م )