إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1027
زهر الآداب وثمر الألباب
قال : قد ، واللَّه ، سمعت تغريد الأطيار بالأسحار على أفنان الأشجار ، وسمعت [ خفق ] أوتار العيدان ، وترجيع أصوات القيان ، فما طربت من صوت قطَّ طربى من ثناء حسن ، على رجل قد أحسن ، ومن شاكر منعم ، ومن شفاعة شفيع محتسب لطالب ذاكر فقال أبو الهيثم : فقلت له : للَّه أبوك ! لقد حشيت كرما ! فبأي شئ سهلت عليك المعاودة والطلب ؟ قال : لا أبلغ المجهود ، ولا أسأل إلا ما يجوز ، وليس صدق العذر بأكره إلىّ من إنجاز الوعد ، ولست لإكراه السائل بأكره منى لإجحاف المسؤول ، ولا أرى الراغب أوجب حقا علىّ للذي قدم من حسن ظنه من المرغوب إليه للذي احتمل من كله . قال إبراهيم : ما سمعت كلاما قطَّ أشدّ مؤالفة لموضعه ، ولا أليق بمكانه ، من هذا الكلام . [ بين عميلة الفزاري وأسيد بن عنقاء ] وروى أبو بكر بن شقير النحوي عن أحمد بن عبيد قال : كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه « 1 » ، وأشدّهم عارضة ولسانا ، وطال عمره ، ونكبه دهره ؛ فاختلَّت حاله ، فخرج يتبقل « 2 » لأهله ؛ فمرّ عليه عميلة الفزاري ، فسلم عليه ، وقال : يا عم ؛ ما أصارك إلى ما أرى ؟ قال : بخل مثلك بماله ، وصون وجهي عن مسألة الناس . قال : أما واللَّه لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك ما أرى ، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عميلة ، فقالوا له : غرّك كلام غلام جنح ظلام فكأنما ألقموا فاه حجرا ؛ فبات متململا بين رجاء ويأس ، فلما كان السّحر سمع رغاء الإبل ، وثغاء الشاء ، وصهيل الخيل ، ولجب الأموال ، فقال : ما هذا ؟
--> « 1 » في الأمالي ( 1 / 237 ) « من أكثر أهل زمانه » ( م ) « 2 » يتبقل لأهله : يطلب لهم البقل ( م )