إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1016

زهر الآداب وثمر الألباب

وإن من أحسن شعر العتابي قصيدته التي مدح بها الرشيد وأولها : يا ليلة لي في حوران ساهرة حتى تكلَّم في الصبح العصافير وقال فيها : أفي الأماقى انقباض عن جفونهما أم في الجفون عن الآماق تقصير وهذا البيت أخذه من قول بشار الذي أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله : جفت عيني عن التغميض حتّى كأنّ جفونها عنها قصار فمسخه العتابي ، على أن بشارا أخذه من قول جميل : كأنّ المحبّ لطول السّهاد قصير الجفون ولم تقصر إلا أن بشارا أحسن فيه ؛ فنازعهما إياه فأساء ، وإنّ حقّ من أخذ معنى قد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه ، أو يزيد عليه ، حتى يستحقه ، وأما إذا قصّر عنه فهو مسئ معيب بالسرقة ، مذموم على التقصير . ولقد هاجى أبا قابوس النصرانىّ فغلَّب عليه في كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس في الشعر ، ثم قال في هذه القصيدة : ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد ناداك بالوحي تقديس وتطهير فتّ الممادح إلَّا أنّ ألسننا مستعلنات بما تخفى الضمائير « 1 » فختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وقعت في البحر لكدّرته ، وهى صحيحة ، وما شئ أملك بالشعر بعد صحّة المعنى من حسن صحّة اللفظ ، وهذا عمل التكلف ، وسوء الطبع . وللعباس بن الأحنف إحسان كثير ، ولو لم يكن إلا قوله : أنكر الناس ساطع المسك من دجلة قد أوسع المشارع طيبا

--> « 1 » الضمائير : أصله الضمائر ، فأشبع كسرة الهمزة فتولدت ياء ، ويقع ذلك في شعر العرب الفحول وإن كان مستكرها ؛ فمن ذلك قول الفرزدق يصف ناقة : تنفى يداها الحصى في كل هاجرة نفى الدراهيم تنقاد الصياريف فالدراهيم أصله الدراهم ، والصياريف أصله الصيارف ، فزاد الياء في كل منهما ( م )