إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
878
زهر الآداب وثمر الألباب
عند ذوى الأخطار ، وفى تكذيب الظنون ، والميل عن النباهة للخمول ، إلى كثير من شيمكا التي أسندتما إليها ، وسنتكما التي تعاقدتما عليها ، فأين هو ممن لا يجارى فيه نقض عرى العهود ، ونسكث قوى العقود ؟ وأنى هو عن النميمة والغيبة ، ومشى الضراء « 1 » في الغيلة ، والتنفق بالنفاق في الحيلة وأين هو ممن ادّعى ضروب الباطل ، والتحلَّى بما هو منه عاطل ، وتنقّص العلماء والأفاضل ؛ هذا إلى كثير من مساو منثورة أنت ناظمها ، ومخاز متفرقة أنت جامعها . أنت أيّدك اللَّه إن سوّيته بنفسك ، ووزنته بوزنك ، أظلم منه لذويه ، وأعق منه لبنيه ؛ وهبك على الجملة قد زعمت - مفتريا عليه - أنه أشدّ منك قدرة ، وأعظم بسطة ، وأتمّ نصرة ، وأطلق يدا في الإساءة ، وأمضى في كل نكابة شباة « 2 » ، وأحدّ في كل عاملة شداة « 3 » ، وأعظم في كل مكروه متغلغلا ، وآلف إلى كل محذور متوصلا ، إن الدهر الذي ليس بمعتب من يجزع ، وإن العتبى منك مأمولة ، ومن جهتك مرقوبة ، وهيهات ! فهل توهّم أنه لو كان ذا روح وجثمان ، مصورا في صورة إنسان ، ثم كاتبته أستعطفه على الصلة ، وأستعفيه من الهجر ، وأذكَّره من المودة ، وأستميل به إلى رعاية المقة ، وأستعد على ما أشاعه الفراق في نفسي من اللوعة ، وأضرمه بالبعاد في صدري من الحرقة ، كان يستحسن ما استحسنته من الاضطراب عند جوابي ، ويستجيز ما استجزته من الاستخفاف بكتابي . وله فصل في هذه الرسالة ، وقد ذكر دعواه في العلم : وهبك أفلاطون نفسه فأين ما سننته من السياسة ، فقد قرأناه ، أتجد فيه إرشادا إلى قطيعة صديق ، واحسبك أرسطاطاليس بعينه ، أين ما رسمته من الأخلاق ؟ فقد رأيناه فلم تر فيه هداية إلى شئ من العقوق ، وأما الهندسة فإنها باحثة عن المقادير ، ولن يعرفها إلا من جهل مقدار نفسه ، وقدر الحقّ عليه وله ؛ بل لك في رؤساء الآداب العربية [ منّا ريح ومضطرب ، ولسنا نشاحّك ، لكن أتحب أن تتحقّق
--> « 1 » مشى فلان الضراء - بزنة السحاب - أي مشى مستخفيا فيما يواربه من من شجر ونحوه ، ويقال ذلك لمن يوصف بأنه يختل ويخدع ( م ) « 2 » شباة السنان : حده ( م ) « 3 » الشداة : بقية القوة ، وحد كل شئ ( م )