إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

415

زهر الآداب وثمر الألباب

الوسائل أقدام ذوى الحاجات ، والشفاعات مفاتيح الطَّلبات العفو عن المجرم من موجبات الكرم ، وقبول المعذرة من محاسن الشّيم . وبالقوادم والخوافى قوّة النجاح ، وبالأسنة والعوالي عمل الرماح . الدنيا دار تغرير وخداع ، وملتقى ساعة لوداع ، والناس متصرّفون بين كل ورد وصدر ، وصائرون خبرا بعد أثر . غاية كل متحرّك إلى سكون ، ونهاية كل متكون ألَّا يكون ، وآخر الأحياء فناء ، والجزع على الأموات عناء ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلم التهالك على الهالك ؟ . حشو الدهر أحزان وهموم ، وصفوه من غير كدر معدوم . إذا سمح الدهر بالحباء ، فأبشر بوشك الانقضاء ، وإذا أعار ، فأحسبه قد أغار . الدهر طعمان حلو ومرّ ، والأيام ضربان عسر ويسر . لكل شئ غاية ومنتهى ، وانقطاع وإن بلغ المدى . ترك الجواب ، داعية الارتياب ، والحاجة إلى الاقتضاء ، كسوف في وجه الرجاء . همّ المنتظر للجواب ثقيل ، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل . النجيب إذا جرى لم يشقّ غباره ، وإذا سرى لم تلحق آثاره . ومن أين للضباب صوب السحاب ، وللغراب هوىّ العقاب ، وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء ، ويصير البدر كالشمس في الضياء . وقد ترجم عن شمس المعالي أبو منصور الثعالبي في كتاب ألَّفه له ؛ قال في أوله : أمّا على أثر حمد اللَّه الذي هو أوّل كتابه ، وآخر دعوى ساكنى دار ثوابه ، والصلاة على خيرته من بريّته ، وعلى الصّفوة من ذرّيته ، فإنّ خير الكلام ما شغل بخدمة من جمع اللَّه له عزّة الملك إلى بسطة العلم ، ونور الحكمة إلى نفوذ الحكم ، وجعله مميّزا على ملوك العصر ، ومدبّرى الأرض وولاة الأمر ، بخصائص من العدل ، وجلائل من الفضل ، ودقائق من الكرم المحض ، لا يدخل أيسرها تحت العادات ، ولا يدرك أقلَّها بالعبارات ؛ ومحاسن [ سير ] الأنام « 1 » ، تحرسها أسنّة الأقلام ، وتدرسها ألسنة الليالي والأيام ، وهذه صفة تغنى

--> « 1 » في الأصول كلها « ومحاسن سير الأيام » تحريف ما أثبتناه ( م )