إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
388
زهر الآداب وثمر الألباب
وقال الفضل بن عيسى الرّقاشى : سل الأرض من غرس أشجارك ، وشقّ أنهارك ، وجنى ثمارك ، فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا . وهذا شبيه بقول عدىّ بن زيد ، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة « 1 » ؛ فقال : أتدري ما تقول هذه السّرحة أيها الملك ؟ قال : وما تقول ؟ قال : تقول : ربّ ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزّلال ثم أضحوا لعب الدّهر بهم وكذاك الدّهر حالا بعد حال ويروى « عكف الدّهر بهم فثووا « 2 » » . فتكدّر حال النّممان وما كان فيه من لذّة . ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال لو سكت الشّاكر لنطقت المآثر . لو صمت المخاطب لأثنت الحقائب ، ولشهدت شواهد حاله على صدق مقاله . إن جحدت ما أولانيه ، وكفرت ما أعطانيه ، نطقت آثار أياديه علىّ ، ولمعت أعلام عوارفه « 3 » لدىّ . ولأبى الفضل الميكالى من رسالة : ورد فلان فتعاطى من شكره على نعمه التي ألبسه جمالها ، وأسحبه أذيالها ، ما لو لم يتحدّث به ناشرا ومثنيا ، ومعيدا ومبديا ، لأثنت به حاله ، وشهدت به رحاله ، حتى لقد امتلأت بذكره المحافل ، وسارت بحبره الرّكبان والقوافل ، وصارت الألسنة على الشكر والثناء لسانا ، والجماعة على النّشر والدعاء أنصارا وأعوانا ، على أنه وإن بالغ في هذا الباب ، وجاوز حدّ الإكثار والإسهاب ، نهايته القصور دون واجبه ، والسقوط عن أدنى درجاته ومراتبه .
--> « 1 » السرحة : الشجرة - العظيمة ، أو هي كل شجرة لا شوك لها ( م ) ، وقد تطلق مجازا على المرأة « 2 » كذا ، ولا يستقيم وزنه ، ولو كان « عكف الدهر بهم ثم ثووا » لتم « 3 » العوارف : جمع عارفة ، وهي النعمة ( م )