إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
369
زهر الآداب وثمر الألباب
وينخرط في سلك هذا المعنى مقامة « 1 » من مقامات الإسكندرى في الكدية « 2 » مما أنشأه بديع الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثمانين وثلاثمائة . قال البديع : حدّثنا عيسى بن هشام قال : حضرنا مجلس سيف الدولة يوما وقد عرض عليه فرس متى ما ترقّ العين فيه تسهّل « 3 » فلحظته الجماعة ؛ فقال سيف الدولة : أيكم أحسن صفته ، جعلته صلته ؛ فكلّ جهد جهده ، وبذل ما عنده ؛ فقال أحد خدمه : أصلح اللَّه الأمير ! رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه « 4 » ، وتقف الأبصار عليه ، يسلَّى الناس ، ويشفى الياس ، ولو أمر الأمير بإحضاره ، لفضلهم بحضاره « 5 » . فقال سيف الدولة : علىّ به في هيئته ، فصار الخدم في طلبه ، فجاؤوا للوقب به ، ولم يعلموه لأىّ حال دعي به ، ثمّ قرّب واستدنى ، وهو في طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب « 6 » ، وحين حضر السّماط ، لثم البساط ، ووقف . فقال سيف الدولة : بلغتناعنك عارضة « 7 » ، فاعرضها في هذا الفرس وصفه . فقال : أصلح اللَّه الأمير ! كيف به قبل ركوبه ووثوبه ، وكشف عيوبه [ وغيوبه ] ؟ فقال : اركبه ، فركبه وأجراه ، ثم قال : أصلح اللَّه الأمير ! هو طويل الأذنين ،
--> « 1 » هذه المقامة شرحها مؤلف زهر الآداب فليعد القارئ إلى شرحه في الصحيفة التي تلى المقامة ، وليكتف منا بما نراه من الشرح القليل ( وانظر مقامات البديع 150 بيروت ) « 2 » الكدية : قسوة الدهر ، والمراد هنا الاستجداء « 3 » يريد أن أعلاه وأدناه مستويان في الحسن ، وهذا التعبير مأخوذ من معلقة امرئ القيس « 4 » كناية عن انقيادها له « 5 » الحضار - بالكسر - أصله جودة السير وسرعته « 6 » الطمران : ثوبان باليان « 7 » العارضة : سرعة البديهة