إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
355
زهر الآداب وثمر الألباب
قال سهل بن هارون : ومما حفظ من كلام ذي الرياستين مما رأينا تخليده في الكتب ؛ ليؤتمّ به ، وينتفع بمقول حكمته ، قوله : من ترك حقّا فقد غبن حظَّا : ومن قضى حقّا فقد أحرز غنما ، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا ، ومن أحسن توكَّلا لم يعدم من اللَّه صنعا ، ومن ترك للَّه شيئا لم يجد لما ترك فقدا ، ومن التمس بمعصية اللَّه حمدا عاد ذلك على ملتمسه ذمّا ، ومن طلب بخلاف الحقّ له دركا عاد ما أدرك من ذلك له موبقا « 1 » ؛ وذلك أوجب الفلاح - للمحسنين ، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين . ووقّع في رقعة ساع : نحن نرى قبول السعاية شرّا منها ؛ لأنّ السّعاية دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دلّ على شئ وأخبر به كمن قبله وأجازه ؛ فاتّقوا السّاعى ؛ فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما ؛ إذ لم يحفظ الحرمة ، ولم يستر العورة . والشىء يقرن مع جنسه : كتب محمد بن علي إلى محمد بن يحيى بن خالد ، وكان واليا على أرمبنية للرشيد : إنّ قوما صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست « 2 » ، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم ، وإني وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك . فكتب إليه : قرأت هذه الرقعة المذمومة ، وفهمتها ، وسوق السعاية بحمد اللَّه في أيامنا كاسدة ، وألسنة السّعاة في أيامنا كليلة خاسئة ؛ فإذا قرأت كتابي هذا فاحمل الناس على قانونك ، وخذهم بما في ديوانك ؛ فإنّا لم نولَّك الناحية ، لتتّبع الرسوم العافية ، ولا لإحياء الأعلام الداثرة ، وجنبني وتجنّب بيت جرير يخاطب الفرزدق :
--> « 1 » الدرك - بالتحريك - اللحاق ، والموبق : المهلك ( م ) « 2 » عفت ودرست : كلاهما بمعنى ذهبت معالمها ( م )