إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
356
زهر الآداب وثمر الألباب
وكنت إذا حللت بدار قوم رحلت بخزية وتركت عارا وأجر أمورك على ما يكسب الدّعاء لنا لا علينا ، واعلم أنها مدّة تنتهى ، وأيام تنقضى ، فإمّا ذكر جميل ، وإما خزى طويل . وقال رجل للمهدى : عندي نصيحة يا أمير المؤمنين ، فقال : لمن نصيحتك هذه ؟ لنا ، أم لعامّة المسلمين ، أم لنفسك ؟ قال : لك يا أمير المؤمنين « 1 » ، قال : ليس الاعى بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته ، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة ، فلا نشفى غيظك ، أو عدوّا فلا نعاقب لك عدوّك ! ثم أقبل على الناس فقال : لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه للَّه رضا ، وللمسلمين صلاح ؛ فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب ؛ ومن استتر عنّا لم نكشفه ، ومن بادانا طلبنا توبته ، ومن أخطأ أقلنا عثرته ؛ فإني أرى التأديب بالصّفح أبلغ منه بالعقوبة ، والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة ، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف ، ولا يعفو إذا قدر ، ولا يغفر إذا ظفر ، ولا يرحم إذا استرحم . ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة : الأمور بتمامها ، والأعمال بخواتمها ، والصنائع باستدامتها ، وإلى الغاية يجرى الجواد ؛ فهناك كشفت الخبرة قناع الشّكّ ؛ فحمد السابق ، وذمّ الساقط وذو الرياستين هو القائل : أنضيت أحرف « لا » مما لفظت بها فحوّلى رحلها عنّا إلى نعم أو صيّريها إليها منك منعمة إن كنت حاولت فيها خفة الكلم « 2 »
--> « 1 » لم نر في الأصل ذكرا للنصيحة . والظاهر من كلام المهدى أن ذلك « الناصح » ذكر أصحاب المهدى بسوء ؛ فقال المهدى : ليس الساعي الخ . فليلاحظ القارئ تلك الجملة التي ضاعت ليظهر له ربط الكلام . قلت : ليس هذا بلازم ، بل يجوز أن يكون المهدى قد قطع عليه أن يسعى بما أجاب به من الكلام ( م ) « 2 » الضمير في صيريها » يعود إلى « لا » وفى » إليها » يعود إلى « نعم » وكأنه قال : صيرى لا إلى نعم ( م )