إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

230

زهر الآداب وثمر الألباب

يا من رأى البركة الحسنا ورونقها والآنسات إذا لاحت مغانيها « 1 » ما بال دجلة كالغيرى تنافسها في الحسن طورا وأطوارا تباهيها ! إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا مثل الجواشن مصقولا حواشيها « 2 » فحاجب الشمس أحيانا يغازلها وريّق الغيث أحيانا يباكيها « 3 » إذا النجوم تراءت في جوانبها ليلا حسبت سماء زكَّبت فيها كأنما الفضّة البيضاء سائلة من السّبائك تجرى في مجاريها تنصبّ فيها وفود الماء معجلة كالخيل خارجة من حبل مجريها « 4 » كأنّ جنّ سليمان الَّذين ولوا إبداعها فأدقّوا في معانيها فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض قالت : هي الصّرح تمثيلا وتشبيها « 5 » [ لا يبلغ السمك المقصور غايتها لبعد ما بين قاصيها ودانيها ] يعمن فيها بأوساط مجنّحة كالطَّير تنشر في جوّ خوافيها ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل ؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف ، وفي أبنيته يقول علي بن الجهم « 6 » :

--> « 1 » رواية الديوان « الحسناء رؤيتها » « 2 » الجواشن : جمع جوشن ، وهو الدرع ، وفي الأصل « من الجواشن » وهو تحريف « 3 » رواية الديوان « يضاحكها » وهي أنسب « 4 » الوفود : جمع وفد ، وهو هنا تيار الماء « 5 » عن عرض : من جانب ، وفي الأصل « معرضة » وقد آثرنا رواية الديوان . « 6 » شاعر فحل من معاصري أبى تمام والبحتري ، وهو صاحب الرائية المشهورة التي يقول في أولها : عيون المها بين الرصافة فالجسر جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى أعدن لي الشوق القديم ، ولم أكن سلوت ، ولكن زدن جمرا إلى جمر اختص بالمتوكل ، ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان ، فأقام بهامدة ، ورحل إلى حلب ، فقتله بقربها بعض بنى كلب سنة 249 .