عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

95

الذيل على طبقات الحنابلة

كان يتألف الناس ويقريهم ، حتى إنه ربما ردد على إنسان كلمات يسيرة من سَحَرٍ إلى الفجر . وقال الضياء : كان رحمه الله يتألف الناس ، ويلطف بالغرباء والمساكين ، حتى صار من تلاميذه جماعة من الأكراد والعرب والعجم . وكان يتفقدهم ويسأل عنهم ، وعن حالهم ، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب ، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه . وكانوا يتحدثون عنه ، ويذكرون لنا من كراماته وكرمه ، وحسن عشرته . وكان سخياً جواداً ، كثير المعروف ، حتى كان بيته مأوى للناس . وكان ينصرف كل ليلة إلى بيته من الفقراء جماعة كثيرة من أصحابه ، فيقدم إليهم ما حضر . قال : وكان لا يكاد يفتر من الاشتغال : إما بالقرآن ، أو الحديث ، أو غيره من العلوم . وأقام بحران مدة ، وانتفعوا به . وكان يشتغل بالجبل ، إذا كان الشيخ موفق الدين بالمدينة ، فإذا صعد الموفق الجبل نزل هو فاشتغل بالمدينة . وكان يقعد في جامع دمشق من الفجر إلى العشاء ، لا يخرج إلا لما بد منه ، يقرئ الناس القرآن والعلم ، فإذا لم يبقَ له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة . وكان داعية إلى السنة وتعلم العلم والدين ، وختم عليه جماعة من الأصحاب . قال : وما أعلم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا ، ولا تعرض لها ، ولا نافس فيها . وقد يفتح لأصحابنا بعض الأوقات بشيء من الدنيا ، فما أعلم أنه حضر عندهم يوماً قط في شيء من ذلك ، وما علمت أنه دخل يوماً إلى سلطان ولا إلى والٍ . ولا تعرّف بأحد منهم . ولا كانت له رغبة في ذلك . قال : وكان محافظاً على الصدق والورع . سمعته يقول لرجل : كيف ولدك ؟ فقال : يقبل يدك . فقال : لا تكذب وكان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . لا يرى أحداً يسيء صلاته إلا قال له وعلّمه . ولقد بلغني أنه خرج مرة إلى قوم من الفساق فكسر ما معهم فضربوه ، ونالوا منه حتى غشي