عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
55
الذيل على طبقات الحنابلة
وكان يقول : لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر . ويقول : إذا لم تتصدقوا لا يتصدق أحد عنكم ، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم . وكان يحب اللبن المصفى بخرقة ، فعمل له منه مرة فلم يأكل منه ، فقيل له : فقال تركته لحبي إياه ، ثم لم يأكله بعد ذلك . وكان إذا خطب تَرِق القلوب ، ويبكي بعض الناس بكاءاً كثيراً . وكان له هيبة عظيمة في القلوب ، حتى كان أحد الطلبة يريد أن يسأله عن شيء ، فما يجسر أن يسأله ، وإذا دخل المسجد سكتوا ، وخفضوا أصواتهم ، وإذا عَبَر في ريق والصبيان يلعبون هربوا ، وإذا أمر بشيء لا يجسر أحد أن يخالفه . وكان كثيراً ما يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده . فقال له المتولي يوماً : إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة ، ونشتهي أن لا نرد رقعتك ، ، فقال : أما أنا فقد قضيت حاجة قصدني ، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتي وإلا فلا ، فقال : لا نردها أبداً . واحتاج الناس في سنة إلى المطر ، فطلع معهم إلى مغارة الدم ، ومعه نساء من محارمه ، واستسقى ودعا ، فجاء المطر حينئذ ، وجرت الأودية شيئاً لم يره الناس من مدة . وله كرامات كثيرة . وذكر بعضهم ، قال : جئنا مرة إلى عنده ، ونحن ثلاثة أنفس جياع ، فقدّم إلينا سكْرُجة فيها لبن ، وكسيرات ، فأكلنا وشبعنا ، وأنا أنظر إليها ، كأنها لم تنقص . قال الضياء : وسمعت الإِمام محمد بن أبي بكر بن عمر يقول : دعاني الشيخ مرة ، وكنت أخاف من ضرر الأكل ، فابتدأني وقال : إذا قرأ الإِنسان فبل الأكل " شهد الله أنه لا إله إلا هو " " آل عمران : 18 " ، و " لإيلاف قريش " " قريش : 1 " ، ثم أكل ، فإنه لا يضره . وسمعت الإِمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن النحاس ، يقول : كان والدي يحب الشيخ أبا عمر ، فقال لي يوم جمعة : أنا أصلي الجمعة خلف الشيخ ، ومذهبي أن " بسم الله الرحمن الرحيم " من الفاتحة ، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة ، وأخاف أن يكون في صلاتي شيء ، فمضينا إلى المسجد ، فوجدنا الشيخ ،