عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
448
الذيل على طبقات الحنابلة
وتفقه في المذهب ، وبرع وأفتى ، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه . وتفنن في علوم الإِسلام . وكان عارفاً بالتفسير لا يجارى فيه ، وبأصول الدين ، وإليه فيهما المنتهى . والحديث ومعانيه وفقهه ، ودقائق الاستنباط منه ، لا يلحق في ذلك ، وبالفقه وأصوله وبالعربية ، وله فيها اليد الطولى ، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك ، وكان عالماً بعلم السلوك ، وكلام أهل التصوف ، وإشاراتهم ، ودقائقهم . له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى . قال الذهبي في المختصر : عنى بالحديث ومتونه ، وبعض رجاله . وكان يشتغل في الفقه ، ويجيد تقريره وتدريسه ، وفي الأصلين . وقد حبس مدة ، لإِنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل ، وتصدى للأشغال ، وإقراء العلم ونشره . قلت : وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد ، وطول صلاة إلى الغاية القصوى ، وتأله ولهج بالذكر ، وشفف بالمحبة ، والإِنابة والاستغفار ، والافتقار إلى الله ، والانكسار له ، والإطراح بين يديه على عتبة عبوديته ، لم أشاهد مثله في ذلك ، ولا رأيت أوسع منه علماً ، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه ، وليس هو المعصوم ، ولكن لم أرَ في معناه مثله . وقد امتحن وأوفي مرات ، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة ، منفرداً عنه ، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ . وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر ، ففتح عليه من ذلك خير كثير ، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة ، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف ، والدخول في غوامضهم ، وتصانيفه ممتلئة بذلك ، وحج مرات كثيرة ، وجاور بمكة . وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة ، وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه . ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة ، وسمعت عليه " قصيدته النونية الطويلة " في السنة ، وأشياء من تصانيفه ، وغيرها .