عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
137
الذيل على طبقات الحنابلة
وسمعت أبا عمرو بن الصلاح المفتي يقول : ما رأيت مثل الشيخ الموفق . وقال الشيخ عبد الله اليونيني : ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه . فإنه رحمه الله كان كاملاً في صورته ومعناه من الحسن والإحسان ، والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة ، والأخلاق الجميلة ، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره . وقد رأيت من كرم أخلاقه ، وحسن عشرته ، ووفور حلمه ، وكثرة علمه وغزير فطنته ، وكمال مروءته ، وكثرة حيائه ، ودوام بشره ، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها ، والمناصب وأربابها : ما قد عجز عنه كبار الأولياء . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره " فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات ، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسنة ، وأعظم من ذلك وأحسن : ما كان جِبِلَّة وطبعاً ، كالحلم والكرم والعقل والحياء ، وكان الله قد جبله على خلق شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً ، وأسبع عليه النعم ، ولطف به في كل حال . قال : وكان لا يناظر أحداً إلا وهو يتبسم ، حتى قال بعض الناس : هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه . قال : وأقام مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق ، يناظر فيها بعد الصلاة . ثم ترك ذلك في آخر عمره . وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار . ثم يقرأ عليه بعد الظهر ، إما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب . وربما قرأ عليه بعد المغرب وهو يتعشى . وكان لا يرى لأحد ضجراً . وربما تضرر في نفسه ولا يقول لأحد شيئاً . ذكر شيء من كراماته قال سبط ابن الجوزي : حكى أبو عبد الله بن فضل الأعتاكي قال : قلت في نفسي : لو كان لي قدرة لبنيت للموفق مدرسة ، وأعطيته كل يوم ألف درهم .