عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

136

الذيل على طبقات الحنابلة

به ولم يتجوز في صلاته . وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إلى بيته بالرصيف ، ومعه من فقراء الحلقة من قدره الله تعالى . فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه . ومن أظرف ما حكى عنه : أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإِجازات وغيرها . فاتفق ليلة خطفت عمامته ، فقال لخاطفها : يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ورد العمامة أغطي بها رأسي وأنت في أوسع الحل مما في الورقة . فظن الخاطف أنها فضة ورآها ثقيلة ، فأخذها ورد العمامة . وكانت صغيرة عتيقة . فرأى أخذ الورقة خيراً منها بدرجات . فخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف . وبلغني من غير وجه عن الإِمام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال : ما دخل الشام - بعد الأوزاعي - أفقه من الشيخ الموفق . وقد أفرد الحافظ الضياء ، سيرة الشيخ في جزأين . وكذلك أفردها الحافظ الذهبي . قال الضياء : كان رحمه الله إماماً في القرآن وتفسيره ، إماماً في علم الحديث ومشكلاته ، إماماً في الفقه بل أوحد زمانه فيه ، إماماً في علم الخلاف ، أوحد زمانه في الفرائض ، إماماً في أصول الفقه ، إماماً في النحو ، إماماً في الحساب ، إماماً في النجوم السيارة والمنازل . قال : ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنى : اسكن هنا ؛ فإن بغداد مفتقرة إليك ، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك . وكان شيخنا العماد يعظم الشيخ الموفق تعظيماً كثيراً ، ويدعو له ، ويقعد بين يديه ، كما يقعد المتعلم من العالم . وسمعت الإمام المفتي شيخنا أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة ببغداد يقول : ما أعرف أحداً في زماني أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق .