الشيخ السبحاني

643

في ظلال التوحيد

فيهم شيئا من الربوبية ولا استطاعة لكشف الضر وتحويله ، بل هم عباد صالحون تستجاب دعوتهم ، فلو كانت الآية عامة لصورة التوسل بدعائهم يلزم التهافت بينها وبين قوله سبحانه : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ( 1 ) . فالإنسان المصر على عقيدته الذي لا يريد أن يعدل عنها أمام الآيات البينات ليس له إلا إخراج الآية عن مفادها وتفسيرها لأجل رأي مسبق ، فشتان بين مفاد الآية ، أي عبادة الوسائط بزعم أنهم آلهة يستطيعون كشف الضر وتحويله وقضاء الحاجة ، وبين توسيط الشخصيات الصالحة بما هم عباد الله ، وبما لهم من منزلة وكرامة عند الله حتى يدعوا للمتوسل أو يستجيب الله تعالى دعاءه لأجل قربهم وكرامتهم عنده ، فالآية ناظرة إلى المعنى الأول دون الثاني . الآية الثانية قال سبحانه : { إياك نعبد وإياك نستعين } ( 2 ) . ربما يقال : إن التوسل نوع من الاستعانة بغير الله سبحانه ، وهو ينافي الحصر الموجود في قوله : { إياك نستعين } . والجواب : أن الاستعانة بالناس والاستغاثة بهم لا يتنافى مع حصر الاستعانة بالله في قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } لأن الاستعانة بهم ( باعتقاد أنه سبحانه هو الذي جهزهم بالقوة ، فلو قاموا بعمل فإنما يقومون به بحوله وقوته سبحانه ) يؤكد حصر الاستعانة فيه عز وجل . وإنما ينافي الحصر لو اعتقدنا بأن للأسباب والوسائط أصالة واستقلالا في

--> ( 1 ) النساء : 64 . ( 2 ) الفاتحة : 5 .