الشيخ السبحاني

644

في ظلال التوحيد

العمل والتصرف ، وهذا ما لا يليق أن ينسب إلى موحد أبدا . إن القرآن حافل بحصر أفعال بالله سبحانه ، فينسبها إليه في صورة الحصر ، ولكنه يعود فينسبها في نفس الوقت إلى غيره وليس هناك تهافت وتضاد بين الإسنادين والنسبتين ، لأن المحصور في الله سبحانه غير المنسوب إلى غيره . يقول سبحانه : { إياك نستعين } وفي الوقت نفسه يقول عز وجل : { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ( 1 ) . قال الدكتور عبد الملك السعدي : أما من يمنع ذلك ويستدل بقوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } وبقوله ( صلى الله عليه وآله ) لابن عباس : " وإذا استعنت فاستعن بالله " وبقوله : " لا يستغاث بي وإنما المغيث هو الله " . فالجواب عنه : أن الإعانة تكون حقيقية ومجازية ، فالمعين الحقيقي هو الله وطلب الإعانة من غيره مجاز ، ولولا إمداد الله له بالعون والقوة لما استطاع أن يعينك ، فالاستعانة بالإنسان هي استعانة بالقوة والملكة والسلطة التي منحه الله إياه إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ، فالآية حصرت الاستعانة الحقيقية بالله تعالى ، وكذا وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لابن عباس من هذا القبيل ، والآية والحديث فيهما توجيه للعبد ، أن لا ينسب إلى المخلوق حولا ولا قوة ، ولو طلب العون المجازي منه وإذا لم توجه الآية والحديث هذا التوجيه فإنه ستتعارض مع قوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } ( 2 ) وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " . أما الحديث الأخير فإنه ضعيف ، لأن في سنده ابن لهيعة فلا يقاوم الأحاديث الصحاح ولا مدلول الآية ( 3 ) .

--> ( 1 ) البقرة : 45 . ( 2 ) المائدة : 2 . ( 3 ) البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق : ص 53 - 54 .