الملا فتح الله الكاشاني

23

زبدة التفاسير

يكون أنبياء اللَّه تعالى الَّذين هم أمناؤه على وحيه ، وسفراؤه بينه وبين خلقه ، بصفة من لا يجوز قبول شهادته ، وعلى حالة تنفّر عن الاستماع إليه والقبول منه ؟ ! جلّ أنبياء اللَّه عن ذلك . وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : « لا أوتى برجل يزعم أن داود تزوّج امرأة أوريا ، إلَّا جلدته حدّين : حدّا للنبوّة ، وحدّا للإسلام » . وبرواية عنه عليه السّلام : « من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصّاص ، جلدته مائة وستّين » . وهي حدّ الفرية على الأنبياء . ثمّ ذكر سبحانه إتمام نعمته على داود ، فقال : * ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ ) * استخلفناك على الملك فيها لتدبير أمور العباد من قبلنا بأمرنا ، كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ، ويملَّكه عليها . ومنه قولهم : خلفاء اللَّه في أرضه . أو جعلناك خليفة ممّن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحقّ . وفيه دليل على أنّ حاله بعد الإنابة والتوبة عن ترك الأولى بقيت على ما كانت عليه لم تتغيّر . * ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) * أي : بحكم اللَّه ، إذ كنت خليفته * ( ولا تَتَّبِعِ الْهَوى ) * ما تهوى الأنفس من مخالفة الحقّ . وهو يؤيّد ما قيل : إنّ زلَّته المبادرة إلى تصديق المدّعي ، وتظليم الآخر قبل مسألته . * ( فَيُضِلَّكَ ) * أي : إن اتّبعت الهوى فيعدل الهوى بك * ( عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * عن دلائله الَّتي نصبها في العقول - أو في شرائعه بالوحي - على الحقّ . * ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * يعدلون عمّا أمرهم اللَّه به * ( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا ) * بسبب نسيانهم ، أي : تركهم طاعات اللَّه في الدنيا . وعلى هذا يكون قوله : * ( يَوْمَ الْحِسابِ ) * متعلَّق ب‍ « عذاب شديد » . أولهم عذاب شديد بإعراضهم عن ذكر يوم القيامة . فيكون متعلَّقا ب‍ « نسوا » .