الملا فتح الله الكاشاني

14

زبدة التفاسير

ولمّا كانوا استعجلوا ذلك استهزاء قال : * ( اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) * من تكذيبك ، فإنّ وبال ذلك يعود عليهم * ( واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ) * واذكر لهم قصّة داود ، تعظيما للمعصية في أعينهم ، فإنّه مع علوّ شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات ، وكمال زلفته عند اللَّه سبحانه ، لمّا زلّ زلَّة من ترك الأولى ، وبّخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتّى تفطَّن فاستغفر ربّه وأناب ، ووجد منه ما يحكي عن بكائه الدائم وغمّه الواصب « 1 » ، ولا يزال مجدّدا للندم عليها ، فما الظنّ بكم مع كفركم وفرط معاصيكم ؟ ! أو تذكّر قصّته ، وصن نفسك أن تزلّ فيما كلَّفت من مصابرتهم وتحمّل أذاهم ، فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهماله . * ( ذَا الأَيْدِ ) * ذا القوّة في الدين والعبادة . يقال : رجل أيد وذو أيد وأياد ، بمعنى ما يتقوّى به . وروي : أنّه يقوم نصف الليل ، ويصوم نصف الدهر ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ، وذلك أشدّ الصوم . وقيل : ذا القوّة على الأعداء وقهرهم . وذلك لأنّه رمى بحجر من مقلاعه صدر رجل ، فأنفذه من ظهره فأصاب آخر فقتله . وقيل : معناه : ذا التمكين العظيم ، والنعم الجليلة . وذلك أنّه كان يبيت كلّ ليلة حول محرابه ألوف كثيرة من الرجال . * ( إِنَّه أَوَّابٌ ) * توّاب ، رجّاع عن كلّ ما يكره اللَّه إلى ما يحبّ . من : آب يؤوب إذا رجع . وهذا تعليل للأيد ، ودليل على أنّ المراد به القوّة في الدين . * ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ ) * قد سبق « 2 » تفسير تسخير الجبال مع داود . و « يسبّحن » حال وضع موضع : مسبّحات ، لاستحضار الحال الماضية ، والدلالة على تجدّد التسبيح من الجبال حالا بعد حال .

--> ( 1 ) أي : الدائم . ( 2 ) راجع ج 4 ص 343 ، ذيل الآية 79 من سورة الأنبياء .