الملا فتح الله الكاشاني

79

زبدة التفاسير

ثمّ عطف على قصّة موسى قصّة داود وسليمان ، الَّتي هي أخت قصّة موسى في مزيّة تضمّن العلم والحكمة والفضل من بين سائر الأقاصيص ، فقال : * ( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْماً ) * طائفة من العلم . وهو علم الحكم والشرائع . أو علما أيّ علم . وهو العلم بالقضاء بين الخلق ، وبكلام الطير والدوابّ ، وبتدابير الملك ، وإلانة الحديد ، وتسخير الشياطين والجنّ والإنس . * ( وَقالا الْحَمْدُ لِلَّه ) * عطفه بالواو دون الفاء - كما هو مقتضى الظاهر من المقام ، لترتّب الحمد على النعمة - إشعارا بأنّ ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة . فكأنّه قال : ولقد آتيناهما علما فعملا به ، وعرفا حقّ النعمة فيه والفضيلة ، وقالا : الحمد للَّه * ( الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِه الْمُؤْمِنِينَ ) * يعني : من لم يؤت علما ، أو مثل علمهما . وفيه دليل على فضل العلم ، وشرف أهله ، وإنافة محلَّه ، وتقدّم حملته ، وأنّ نعمة العلم من أجلّ النعم ، وأجزل القسم ، حيث شكرا على العلم ، وجعلاه أساس الفضل ، ولم يعتبرا دونه ممّا أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما . وتحريض للعالم على أن يحمد اللَّه على ما آتاه من فضله ، وأن يتواضع ويعتقد أنّه وإن فضّل على كثير فقد فضّل عليه كثير . * ( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) * النبوّة ، أو العلم ، أو الملك ، فإنّه قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه ، وكانوا تسعة عشر * ( وقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) * تشهيرا لنعمة اللَّه ، وتنويها بها ، واعترافا بمكانها ، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة الَّتي هي منطق الطير ، وغير ذلك من عظائم ما أوتيه . وإنّما قال : « علَّمنا » ، مع أنّ ظاهره من كلام المتكبّرين ، لوجهين : أحدهما : أنّه يريد نفسه وأباه . والثاني : أنّ هذه النون يقال لها : نون الواحد المطاع ، وكان ملكا مطاعا ، فكلَّم أهل طاعته على صفته وحاله الَّتي كان عليها . وليس التكبّر من