الملا فتح الله الكاشاني
71
زبدة التفاسير
ويعلمون الصالحات هم الموقنون بالآخرة . ويدلّ عليه أنّه عقد جملة ابتدائيّة اسميّة ، وكرّر فيها المبتدأ الَّذي هو « هم » ، فإنّهما يدلَّان على الثبات والاختصاص . والمعنى : وما يوقن بالآخرة حقّ الإيقان إلَّا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، فإنّ تحمّل المشاقّ إنّما يكون لخوف العاقبة ، والوثوق على المحاسبة . ثمّ وصف من خالفهم ، فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) * أي : أعمالهم القبيحة . والفرق بين إسناد هذا التزيين إلى اللَّه تعالى ، وإلى الشيطان في قوله تعالى : * ( وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) * « 1 » أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة ، وإلى اللَّه مجاز . وله طريقان في علم البيان . أحدهما : أن يكون من المجاز الَّذي يسمّى الاستعارة . والثاني : أن يكون من المجاز الحكمي . فالطريق الأوّل : أنّه لمّا متّعهم بطول العمر وسعة الرزق ، وجعلوا إنعام اللَّه بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتّباع شهواتهم وبطرهم ، وإيثارهم الروح والترفّه ، ونفارهم عمّا يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة والمشاقّ المتعبة ، فكأنّه زيّن لهم بذلك أعمالهم . وإليه أشارت الملائكة في قولهم : * ( ولكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ) * « 2 » . والطريق الثاني : أنّ إمهاله الشيطان ، وتخليته حتّى يزيّن لهم ، ملابسة ظاهرة للتزيين ، فأسند إليه ، لأنّ المجاز الحكمي يصحّحه بعض الملابسات . وعن الحسن : أي أعمال الخير الَّتي وجب عليهم أن يعملوها ، زيّنّاها لهم بتعريض المثوبات عليها . * ( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) * عنها ، لا يدركون ما يتبعها من ضرّ أو نفع . ويقرب منه قوله :
--> ( 1 ) العنكبوت : 38 . ( 2 ) الفرقان : 18 .