الملا فتح الله الكاشاني

453

زبدة التفاسير

* ( تَهْجُرُونَ ) * من الهجر بالفتح ، إمّا بمعنى القطيعة أو الهذيان ، أي : تعرضون عن القرآن ، أو تهذون في شأنه . أو الهجر بالضمّ ، أي : الفحش . ويؤيّد الثاني قراءة نافع : تهجرون ، من : أهجر في منطقه إذا أفحش . روي : أنّهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون ، وكانت عامّة سمرهم ذكر القرآن ، وتسميته سحرا وشعرا ، وسبّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم . ثمّ قال سبحانه ردّا عليهم : * ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ) * أي : أفلم يتدبّروا القرآن ليعلموا أنّه الحقّ من ربّهم ، بإعجاز لفظه ومتانة معناه ووضوح مدلوله ، فيصدّقوا به ، أو ليخافوا عند تدبّر آياته * ( أَمْ جاءَهُمْ ) * بل أجاءهم * ( ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأَوَّلِينَ ) * من الرسول والكتاب ، فلذلك أنكروه واستبدعوه . أو من الأمن من عذاب اللَّه ، فلذلك لم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون ، وهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان ، فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : « لا تسبّوا مضر ولا ربيعة ، فإنّهما كانا مسلمين . ولا تسبّوا قسّا ، فإنّه كان مسلما . ولا تسبّوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرّ ، فإنّهم كانوا على الإسلام . وما شككتم فيه من شيء فلا تشكّوا في أنّ تبّعا كان مسلما » . * ( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ) * محمّدا بأمانته ، وصدقه ، وحسن خلقه ، وكمال علمه ، ووفور فضله ، مع عدم تعلَّمه ، واتّسامه بينهم بأنّه خير فتيان قريش ، إلى غير ذلك ممّا هو صفة الأنبياء * ( فَهُمْ لَه مُنْكِرُونَ ) * دعواه لأحد هذه الوجوه ، إذ لا وجه له غيرها ، فإنّ إنكار الشيء قطعا أو ظنّا إنّما يتمّ إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص ، أو بحث عمّا يدلّ عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد . * ( أَمْ يَقُولُونَ بِه جِنَّةٌ ) * جنون ، فلا يبالون بقوله ، وقد كانوا يعلمون أنّه أرجحهم عقلا ، وأدقّهم نظرا . وفي هذا دلالة على جهلهم ، حيث أقرّوا له بمتانة العقل ورزانة الرأي ، ثمّ نسبوه إلى الجنون .