الملا فتح الله الكاشاني
330
زبدة التفاسير
ولمّا استبعدوا أن يكون ما هم عليهم ضلالا ، بقوا متعجّبين من تضليله إيّاهم ، وحسبوا أنّ ما قاله إنّما قاله على وجه المزاح والمداعبة ، لا على طريق الجدّ * ( قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) * أجادّ أنت فيما تقول محقّ عند نفسك ، أم لاعب مازح ؟ * ( قالَ ) * إضرابا عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادّعاه : * ( بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ) * الضمير للسّماوات والأرض ، أو للتماثيل . وهو أدخل في تضليلهم ، وإلزام الحجّة عليهم . * ( وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ ) * المذكور من التوحيد * ( مِنَ الشَّاهِدِينَ ) * المتحقّقين له ، والمبرهنين عليه ، فإنّ الشاهد من تحقّق الشيء عنده وحقّقه . فشهادته على ذلك احتجاجه عليه ، وتصحيحه بالحجّة ، كما تصحّح الدعوى بالشهادة . كأنّه قال : وأنا أبيّن ذلك وأبرهن عليه ، كما تبيّن الدعاوي بالبيّنات ، لأنّي لست مثلكم فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجّة ، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم ، ولم تزيدوا على أنّكم وجدتم عليه آباءكم . * ( وَتَاللَّه لأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ) * لأجتهدنّ في كسرها * ( بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا ) * عنها * ( مُدْبِرِينَ ) * إلى عيدكم . وإيثار التاء على الباء - مع أنّ الباء هي الأصل ، فإنّ التاء بدل من الواو المبدلة منها - لما في التاء من زيادة معنى ، وهو التعجّب . وذكر الكيد لتوقّفه على نوع من الحيل ، فكأنّه تعجّب من تسهّل الكيد على يده وتأتّيه ، لأنّ ذلك كان أمرا مقنوطا منه ، لصعوبته وتعذّره . ولعمري أنّ مثله صعب متعذّر في كلّ زمان ، خصوصا في زمن نمرود ، مع عتوّه واستكباره وقوّة سلطانه ، وحرصه على نصرة دينه ، ولكن : إذا اللَّه سنّى « 1 » عقد شيء تيسّرا « 2 » .
--> ( 1 ) في هامش النسخة الخطَّية : « سنّى الأمر : إذا سهّله . وسنّي العقدة إذا حلَّها . منه » . ( 2 ) تمام البيت :