الملا فتح الله الكاشاني
314
زبدة التفاسير
ويذرون ممّا قدّموا وأخّروا بعين اللَّه ، وهو مجازيهم عليه ، فيضبطون أنفسهم ، ويراعون أحوالهم ، ويحافظون أوقاتهم . ومن تحفّظهم أنّهم لا يجسرون أن يشفعوا ، مع أنّهم أشرف الخلائق وأعلى مرتبة منهم ، كما قال : * ( ولا يَشْفَعُونَ ) * مهابة منه * ( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) * لمن ارتضاه اللَّه أن يشفع له . * ( وَهُمْ ) * مع هذا كلَّه * ( مِنْ خَشْيَتِه ) * من خشيته ومهابته وعظمته * ( مُشْفِقُونَ ) * خائفون وجلون مرتعدون من التقصير في عبادته . وأصل الخشية خوف مع تعظيم ، ولذلك خصّ بها العلماء . والإشفاق خوف مع اعتناء ، فإن عدي ب « من » فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإن عدي ب « على » فبالعكس . وعن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أنّه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطا كالحلس « 1 » من خشية اللَّه عزّ وجلّ » . وبعد أن وصف كرامتهم عليه ، وقرب منزلتهم عنده ، وأثنى عليهم ، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنيّة ، والأعمال المرضيّة ، عقّبها بالوعيد الشديد ، وأنذر بعذاب جهنّم من أشرك منهم ، وإن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل ، مع إحاطة علمه بأنّه لا يكون ، قصدا بذلك تفظيع أمر الشرك ، وتهديد أهله ، وتعظيم شأن التوحيد وأهله ، فقال : * ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ) * من الملائكة . أو منهم ومن سائر الخلائق . * ( إِنِّي إِله مِنْ دُونِه فَذلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّمَ ) * يريد به نفي البنوّة ، ونفي ادّعاء ذلك عن الملائكة ، وتهديد المشركين * ( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) * من ظلم بالإشراك وادّعاء الربوبيّة . أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) وجَعَلْنا فِي الأَرْضِ
--> ( 1 ) الحلس : ما يوضع على ظهر الدابّة ، أو يبسط في البيت على الأرض تحت الثياب والمتاع .