الملا فتح الله الكاشاني
244
زبدة التفاسير
فلمّا أتياه وقالا له ما أمرا به * ( قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ) * خاطب موسى وهارون أوّلا ، وخصّ موسى بالنداء ثانيا ، لأنّه الأصل وهارون وزيره وتابعه . ويحتمل أن يحمله خبثه على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه ، لما عرف من فصاحة هارون ورتّة لسان موسى . ويدلّ عليه قوله : * ( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ ) * « 1 » . والمعنى : من أيّ جنس من الأجناس ربّكما حتّى أفهمه وأعرفه ؟ فبيّن موسى أنّ اللَّه تعالى ليس له جنس ، وإنّما يعرف سبحانه بأفعاله . * ( قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ ) * من الأنواع * ( خَلْقَه ) * صورته وشكله الَّذي يطابق المنفعة المنوطة به وكماله الممكن له ، كما أعطى العين الهيئة الَّتي تطابق الإبصار ، والأذن الشكل الَّذي يوافق الاستماع ، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان ، كلّ واحد منها مطابق لما علَّق به من المنفعة . أو أعطى خليقته كلّ شيء يحتاجون إليه وينتفعون به . وقدّم المفعول الثاني لأنّه المقصود بيانه . وقيل : أعطى كلّ حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا ، كالناقة والبعير والرجل والمرأة وغير ذلك ، ولم يزاوج منها شيئا غير جنسه . * ( ثُمَّ هَدى ) * ثمّ عرّفه كيف يرتفق بما أعطي ؟ وكيف يتوصّل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا ؟ وللَّه درّ هذا الجواب ما أخصره ! وما أجمعه ! وما أبينه ! فإنّه مع نهاية وجازته وغاية اختصاره معرب عن الموجودات بأسرها على مراتبها ، ودالّ على أنّ الغنيّ القادر بالذات المنعم على الإطلاق هو اللَّه تعالى ، وأنّ جميع ما عداه مفتقر إليه ، منعم عليه في حدّ ذاته وصفاته وأفعاله ، ولذلك بهت فرعون ، وأفحم عن الدخل عليه ، فلم ير إلَّا صرف الكلام عنه إلى غيره . * ( قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الأُولى ) * سأله عن حال من تقدّم وخلا من القرون الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود ، ونظائرهم الَّذين لا يعبدون اللَّه ، وعن شقاء من شقي منهم ، وسعادة من سعد . والمعنى : فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة ؟
--> ( 1 ) الزخرف : 52 .