الملا فتح الله الكاشاني

198

زبدة التفاسير

الموادّ بعد التفريق ، وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض ، وأدلّ على قدرة الخالق ، حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود . ثمّ أوقع التأليف مشحونا بضروب الحكم الَّتي تحار فيها الفطن ، من غير حذو على مثال ، واقتداء بمؤلَّف ، ولكن اختراعا وإبداعا من عند قادر ، جلَّت قدرته ، ودقّت حكمته . وأمّا النشأة الثانية فقد تقدّمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه ، وليس فيها إلَّا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها ، وردّها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق . وقوله تعالى : « ولَمْ يَكُ شَيْئاً » دليل على هذا المعنى . وكذلك قوله تعالى : * ( وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ) * « 1 » على أنّ ربّ العزّة سواء عليه النشأتان ، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل ، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال ، ولا استعانة بحكيم ، ولا نظر في مقياس ، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعا في بحر معاندته ، وكشفا عن صفحة جهله . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب : يذّكّر ، من التذكّر الَّذي يراد به التفكّر . ثمّ أقسم سبحانه باسمه مبالغة وتأكيدا لوقوع الحشر ، فقال : * ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ) * أضاف اسمه إلى نبيّه تفخيما لشأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وقوله : * ( والشَّياطِينَ ) * عطف على المفعول به ، أو مفعول معه . وهذا أحسن ، لما روي أنّ الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الَّذين أغووهم ، كلّ كافر مع شيطانه في سلسلة . هذا إذا كان المراد بالإنسان الكفرة خاصّة . أمّا إذا أريد الأناسي على العموم ، فالمعنى : أنّهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين ، فقد صدق أنّهم حشروا جميعا معهم ، كقوله : * ( وجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) * « 2 » ، وإن كان القمر في فلك واحد .

--> ( 1 ) الروم : 27 . ( 2 ) نوح : 16 .