الملا فتح الله الكاشاني
183
زبدة التفاسير
ثمّ ربّع بتخويفه سوء عاقبته وما يجرّ إليه من التبعة ، ولم يخل ذلك من حسن الأدب ، حيث لم يصرّح بأنّ العقاب لاحق له ، وأنّ العذاب لاصق به ، ولكنّه قال : * ( يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ) * لإصرارك على الكفر . وذكر الخوف والمسّ وتنكير العذاب للمجاهلة . * ( فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) * ثابتا في موالاته ، قرينا في اللعن والعذاب ، تليه ويليك . وهو أكبر من العذاب ، كما أنّ رضوان اللَّه أكبر من الثواب . * ( قالَ أَراغِبٌ ) * أمعرض * ( أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ) * عن عبادتها * ( يا إِبْراهِيمُ ) * قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد ، فناداه باسمه ، ولم يقابل « يا أبت » ب « يا بنيّ » . وأخّره وقدّم الخبر على المبتدأ ، وصدّره بالهمزة ، لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجّب ، كأنّها ممّا لا يرغب عنها عاقل . ثمّ هدّده بقوله : * ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَه ) * عن مقالتك فيها ، أو الرغبة عنها * ( لأَرْجُمَنَّكَ ) * لأرمينّك بلساني - يعني : الشتم والذمّ - أو بالحجارة حتّى تموت أو تبعد منّي * ( واهْجُرْنِي ) * عطف على ما دلّ عليه « لأرجمنّك » أي : فاحذرني واهجرني ، لأنّ « لأرجمنّك » تهديد وتقريع * ( مَلِيًّا ) * زمانا طويلا من الملاوة . أو مليّا بالذهاب عنّي والهجران قبل أن أثخنك بالضرب ، حتّى لا تقدر أن تبرح . من قولهم : فلان مليّ بهذا الأمر إذا كان كاملا فيه مضطلعا به . * ( قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ) * سلام توديع ومتاركة ومباعدة منه ، كقوله تعالى : * ( لَنا أَعْمالُنا ولَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ) * « 1 » . وقوله : * ( وإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) * « 2 » . أو سلام إكرام ومقابلة للسيّئة بالحسنة ، أي : لا أصيبك بمكروه ، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك . ويجوز أن يكون دعا له بالسلامة استمالة له ، ألا ترى أنّه وعده الاستغفار وقال : * ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) * سأطلب لك التوفيق للإيمان ، فإنّ
--> ( 1 ) القصص : 55 . ( 2 ) الفرقان : 63 .