اليعقوبي
422
تاريخ اليعقوبي
واستصفى أموالهم ، وقبض ضياعهم ، وقال : لو علمت يميني بالسبب الذي له فعلت هذا لقطعتها ، وأكثر الناس في أسباب السخط عليهم مختلفون . وحدث إسماعيل بن صبيح ، قال : بعث إلي الرشيد يوما ، وهو ببغداد ، فدخلت ، فلم أر في المقاصير والأروقة أحدا ، حتى انتهيت إليه ، فقال : يا إسماعيل ! هل رأيت في الدار أحدا ؟ فقلت : لا ، والله ! قال : فطف المجالس والأروقة والمقاصير ! فطفت فلم أجد أحدا ، فقال : عد ثالثة ! فعدت ، ثم قال : خذ ذلك الكرسي ! فأخذته ، وخرج وفي يده عمود حتى صار إلى وسط الصحن ، ثم قال : ضع الكرسي ! فوضعته ، فجلس عليه ، والعمود في يده ، ثم قال : اجلس ! فأوحشت نفسي خيفة ، وجلست ، فقال : إني أريد أن أفشي إليك سرا ، والله لئن سمعته من أحد من الناس لأضربن عنقك ! فتراجعت نفسي ، وقلت : إن كنت يا أمير المؤمنين قلته لاحد ، أو تقوله ، فلا حاجة بي إليه . فقال : ما قلته لاحد ، ولا أقوله ، إني أريد أن أوقع بآل برمك إيقاعا ما أوقعه بأحد ، وأجعلهم أحدوثة ونكالا إلى آخر الأبد . فقلت : وفقك الله ، يا أمير المؤمنين ، وأرشد أمرك ! ثم قام ، فعاد ، وأخذت الكرسي ، فرددته ، وقلت : إنما أراد أن يعرف ما عندي فيهم ، فبعث بي إليهم ، وكان يفعل ذلك كثيرا ، ثم حال الحول ، وحال حول ثان ، ثم حال ثالث ، فلما كان رأس الحول الرابع قتلهم ، وكان قتل جعفر في صفر سنة 188 بدير العمر ، وكان يحيى بن خالد قد نزل هذا الدير منصرفا من الحج ، قبل أن يحل بهم الامر بحول كامل ، فدخل إلى الدير الذي قتل ابنه جعفر فيه ، فطافه ، فظهر له قس ، فقال له : مذ كم بنيت هذه البيعة ؟ فقال : مذ ستمائة سنة ، وهذا قبر صاحبها ، فوقف على قبر عليه كتابة فقرأها ، فإذا عليه : إن بني المنذر عام انقضوا * بحيث شاد البيعة الراهب تنفح بالمسك ذفاريهم * وعنبر يقطبه القاطب