اليعقوبي

400

تاريخ اليعقوبي

مع العفو أكثر منها مع العاجلة ، والقلوب لا تبقى لوال لا يعطف إذا استعطف ، ولا يعفو إذا قدر ، ولا يغفر إذا ظفر ، ولا يرحم إذا استرحم ، من قلت رحمته واشتدت سطوته وجب مقته وكثر مبغضوه . وكان المهدي قد ألح في طلب الزنادقة وقتلهم ، حتى قتل خلقا كثيرا ، فبلغه أن صالح بن أبي عبيد الله كاتبه زنديق ، فأحضره ، فلما صح عنده أمره استتابه ، فقال : لا رغبة عما أنا عليه ، ولا حاجة في غيره ، فأمر المهدي أبا عبيد الله أباه أن يقوم فيضرب عنقه ، فقام فأخذ السيف ، ثم دنا من ابنه ، فلما رفعه رجع ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إني قمت سامعا مطيعا ، وإنه أدركني ما يدرك الرجل في ولده ، فأمره ، فجلس ، ثم أمر بضرب عنقه بين يديه ، ثم أملى عليه كتابا ، وهو ينظر إلى ابنه مقتولا ، ثم قال : إن كنت كرهت قتل عدو لله كافر به ، فأبعدك الله . فلما قام أبو عبيد الله قال بعض الجلساء : ما أحسب هذا يطيب قلبه أبدا ! فقال : كذلك والله أظنه ، وإنه لقريب من ابنه . ثم كانت السخطة عليه ، وصير مكانه يعقوب بن داود ، وأتى بصالح بن عبد القدوس ، فاستتابه فتاب ، فلما خرج من عنده ذكر له قوله : والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه قال : وإنك لتقول هذا ، فرده فضرب عنقه ، ولم يستتبه . ووثب أهل الحوف بمصر سنة 168 ، فخرج إليهم موسى بن مصعب ، وكان العامل بها ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وكان صاحب علمه هاشم بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج السكوني ، فنكس العلم وانهزم . ومال أهل الحوف على موسى بن مصعب . فقتلوه . فولى المهدي الفضل بن صالح الهاشمي ، فلم يرد البلد إلا بعد وفاة المهدي . وكان الغالب على المهدي ، صدر خلافته ، معاوية بن عبد الله المعروف بأبي عبيد الله مولى الأشعريين ، ثم وقف منه على خيانة وصير مكانه يعقوب بن