اليعقوبي

306

تاريخ اليعقوبي

فوهبها لابنه عبد العزيز ، فورثها عمر منه ، فردها على ولد فاطمة . فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك ، فقبضها . ورد عمر هدايا النيروز والمهرجان ، ورد السخر ، ورد العطاء ، على قدر ما استحق الرجل من السنة ، وورث العيالات على ما جرت به السنة ، غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل بيته ، والعطاء في الشرف لم ينقصه ، ولم يزد فيه ، وزاد أهل الشأم في أعطياتهم عشرة دنانير ، ولم يفعل ذلك في أهل العراق ، وكان يقول : ما بقي المسلم على جفوة السلطان ونزغة الشيطان لم أر شيئا أعون له على دينه من إعطائه حقه . فكان يجلس للنظر في أمور المسلمين نهاره كله ، فقال له رجاء بن حياة : يا أمير المؤمنين ! نهارك كله مشغول ، ذلك جزء من الليل ، وأنت تسمر معنا . فقال : يا رجاء إن ملاقاة الرجال تلقح لأوليائها ، وإن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة ، لا يضل معهما رأي ولا يقعد معهما حزم . وكان يقول : لكل شئ معدن ، ومعدن التقوى قلوب العاقلين ، لأنهم عقلوا عن الله ، فاتقوه في أمره ونهيه . وكتب إلى عامله باليمن : أما بعد ، فدع ما أنكرت من الباطل ، وخذ ما عرفت من الحق بالغا بك ما بلغ ، فإن بلغ مهج أنفسنا ، فإن الله يعلم أنك إن لم تحمل إلي إلا حفنة من كتم فإني بذلك مسرور ، إذا كان موافقا . قال الزهري : دخلت إلى عمر يوما فبينا أنا عنده إذ أتاه كتاب من عامل له يخبره أن مدينتهم قد احتاجت إلى مرمة ، فقلت له : إن بعض عمال علي بن أبي طالب كتب بمثل هذا ، وكتب إليه : أما بعد فحصنها بالعدل ، ونق طرقها من الجور ، فكتب بذلك عمر إلى عامله . ووجه عمر إلى مسجد دمشق من ينزع ما فيه من الرخام والفسيفساء والذهب ، وقال : إن الناس يشتغلون بالنظر إليه عن صلاتهم ، فقيل له : إن فيه مكيدة للعدو ، فتركه ، وارتحل إلى خناصرة ، فنزلها ، وهي برية من أطراف جند قنسرين ، وكره أن ينزل في منازل أهل بيته التي بنوها بمال الله وفئ المسلمين ،