اليعقوبي

29

تاريخ اليعقوبي

مهاجرة الحبشة ولما رأى رسول الله ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب وما هو فيه من الامن بمنع أبي طالب عمه إياه قال لهم : ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار . فخرج في المرة الأولى اثنا عشر رجلا وفي المرة الثانية سبعون رجلا سوى أبنائهم ونسائهم ، وهم المهاجرون الأولون ، فكان لهم عند النجاشي منزلة ، وكان يرسل إلى جعفر فيسأله عما يريد . فلما بلغ قريشا ذلك وجهت بعمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشي بهدايا وسألوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول الله ، وقالوا : سفهاء من قومنا خرجوا عن ديننا وضللوا أمواتنا وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك . فلما قال عمرو وعمارة للنجاشي هذا ، أرسل إلى جعفر فسأله ، فقال : إن هؤلاء على شر دين يعبدون الحجارة ويصلون للأصنام ويقطعون الأرحام ويستعملون الظلم ويستحلون المحارم ، وإن الله بعث فينا نبيا من أعظمنا قدرا وأشرفنا سررا وأصدقنا لهجة وأعزنا بيتا ، فأمر عن الله بترك عبادة الأوثان واجتناب المظالم والمحارم والعمل بالحق والعبادة له وحده ، فرد على عمرو وعمارة الهدايا وقال : أدفع إليكم قوما في جواري على دين الحق وأنتم على دين الباطل ! وقال لجعفر : اقرأ علي شيئا مما أنزل على نبيكم . فقرأ عليه : كهيعص ، فبكى وبكى من بحضرته من الأساقفة . فقال له عمرو وعمارة : أيها الملك إنهم يزعمون أن المسيح عبد مملوك ، فأوحشه ذلك وأرسل إلى جعفر فقال له : ما تقول وما يقول صاحبكم في المسيح ؟ قال : إنه يقال إنه روح الله وكلمته ، ألقاها إلى العذراء البتول . فأخذ عودا بين إصبعيه ثم قال : ما يزيد المسيح على ما قلت ولا مقدار هذا .