اليعقوبي

191

تاريخ اليعقوبي

إني لأساير أبا موسى الأشعري على شاطئ الفرات ، وهو إذ ذاك عامل لعمر ، فجعل يحدثني ، فقال : إن بني إسرائيل لم تزل الفتن ترفعهم وتخفضهم أرضا بعد أرض ، حتى حكموا ضالين أضلا من اتبعهما . قلت : فإن كنت يا أبا موسى أحد الحكمين ، قال فقال لي : إذا لا ترك الله لي في السماء مصعدا ، ولا في الأرض مهربا إن كنت أنا هو . فقال سويد : لربما كان البلاء موكلا بالمنطق . ولقيته بعد التحكيم ، فقلت : إن الله إذا قضى أمرا لم يغالب . وانصرف علي إلى الكوفة ، فلما قدمها قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ! إن أول وقوع الفتن هوى يتبع ، وأحكام تبتدع ، يعظم فيها رجال رجالا ، يخالف فيها حكم الله ، ولو أن الحق أخلص فعمل به لم يخف على ذي حجى ولكن يؤخذ ضغث من ذا وضغث من ذا ، فيخلط فيغمل ( فيعمل ) به ، فعند ذلك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم منا الحسنى . وصارت الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء بينها وبين الكوفة نصف فرسخ ، وبها سموا الحرورية ، ورئيسهم عبد الله بن وهب الراسبي ، وابن الكوا ، وشبث بن ربعي ، فجعلوا يقولون : لا حكم إلا لله ، فإذا بلغ عليا ذلك قال : كلمة حق أريد بها باطل . ثم خرجوا في ثمانية آلاف ، وقيل : في اثني عشر ألفا ، فوجه إليهم علي عبد الله بن عباس ، فكلمهم ، واحتجوا عليه ، فخرج إليهم علي فقال : أتشهدون علي بجهل ؟ قالوا : لا ! قال : فتنفذون أحكامي ؟ قالوا : نعم ! قال : فارجعوا إلى كوفتكم حتى نتناظر ، فرجعوا من عند آخرهم ، ثم جعلوا يقومون فيقولون : لا حكم إلا لله ، فيقول علي : حكم الله أنتظر فيكم . وخرجوا من الكوفة ، فوثبوا على عبد الله ابن خباب بن الأرت ، فقتلوه وأصحابه ، فخرج إليهم علي ، فناشدهم الله ، ووجه إليهم عبد الله بن عباس ، فقال : يا ابن عباس قل لهؤلاء الخوارج ما نقمتم على أمير المؤمنين ؟ ألم يحكم فيكم بالحق ، ويقيم فيكم العدل ، ولم