الشيخ محمد الجواهري

14

الواضح في شرح العروة الوثقى ( الخمس )

--> الشرع والشريعة وخلاف ما أمر الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) من القتل والغصب الذي يمارسونه إنما هو إرادة الله ، وإن كان خلاف الشرع الذي بلغه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الله تعالى ، وعلى هذا فكل زان أو سارق أو قاتل ومعتدى وغاصب وظالم وقطاع الطرق والذين يخيفون الناس ويرهبوهم إنما هو إرادة الله ؟ ! ونتيجة ذلك : أن منع الخلافة عن صاحبها وتقمصها من قبلهم إنما هي إرادة الله ؟ ! فلا غور في أن يكون منع سهم ذي القربى هي إرادة الله أيضاً ؟ ! فأين الثواب والعقاب وَلمن خلق الله الجنّة والنار ، ولماذا بعث الله الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين إذا كان الله هو المريد لما يقع في الخارج ؟ ! وفي قبال هذا المسلك الذي كان يسلكه الخليفة والحزب الأموي اعتقاداً أو لأجل التظليل المسلك الحق لأهل البيت المتمثل - بحسب الأدلة المفصلة الواضحة المذكورة في محلها النافية للجبر والتفويض والمثبتة للأمر بين الأمرين - بقول زينب سلام الله عليها جواباً لعبيد الله بن زياد الذي قال لها « كيف رأيت صنع الله بأخيك . . . » حيث قالت في جوابه : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل ] لا أن الله هو الذي قتلهم بل قتلهم الواقع في الخارج هو الذي كان في علم الله الأزلي الذي هو القضاء الإلهي الذي لا مناص من ثبوته ونفوذه كما فيما أمر الله به النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) أن يجيب الذين يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا في قوله تعالى : ( يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الاَْمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) آل عمران : 154 فإن الله تعالى أمر نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بأن يجيب الجهلة - إن لم يكونوا منافقين - بذلك ، وأن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونهم على الحق ، وليس لعدم كون الأمر لكم كما تزعمون ، بل لأن القضاء الإلهي وهو الذي لا مناص من نفوذه ومضيه جرى أن يضطجع هؤلاء المقاتلون في مضاجعهم ، ولو لم تكونوا خرجتم للقتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فلا مفرّ من الأجل المسمى الذي لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ، لا أن ما وقع هو لعدم كونكم على الحق وليس هو إرادة الله ، بل إرادة من قتلَهم وظلمهم ، وفَعل ذلك باختياره ولم يجبره الله عليه [ وسيجمع الله بينك - أي أنت القاتل ومن معك - وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج . فالقاتل والظالم والغاصب والمعتدي وكل من فعل خلاف الشريعة المقدسة هي إرادته واختياره ، وكذا المطيع لله سبحانه وأتباع الشريعة المقدسة هي إرادته واختياره ، لا أن الله جبره على ذلك ، ومن هنا كان القانون الفطري الإلهي المتمثل بقوله تعالى : ( إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) الانسان : 3 ، وقوله : ( وَنَفْس وَمَا سَوَّهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَهَا ) الشمس 91 : 7 ، داعياً الإنسان إلى اتباع طريق الخير والحق الذي يدعوه وينبهه عليه وجدانه ، ورادعاً عن طريق الشر والظلال الذي ينهاه عنه وجدانه وينبهه عليه قبل أن يدعوه الشرع إلى اتباع طريق الخير وتجنب طريق الشر - وطبعاً هذا القانون الفطري داع للخير ورادع عن الشر ما لم تعمى الفطرة - ومن هنا كانت الشريعة تدعو بعد العقل إلى اتباع طريق الخير وتجنب طريق الشر ، وإلى السعي إلى الثواب وتجنب العقاب ، وإلى السعي إلى الجنّة وتجنب النار . وبعث الله الرسل والأنبياء مبشرين بالثواب والجنة ومنذرين بالعقاب والنار . ولكن الذي يريد التمويه على الناس يقلب الحقائق بالاعلام المظلل المضاد للواقع فيريك الباطل أنه الحق ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، وكل باطل وتمويه وتظليل ينكشف ، ويبقى في الأرض ما ينفع الناس ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الاَْرْضِ ) الشمس : 7 .