الشيخ محمد الجواهري

39

الواضح في شرح العروة الوثقى ( الحج )

--> صدور ذلك منه فلا شك أنه من الغرائب ، فإن يوم الشك في سؤال أبي بصير لم يقيد بنوع خاص من الشك ، ومعنى ذلك مطلق يوم الشك سواء أكان الشك فيه من علّة أو من غيرها ، ولو كان المراد لأبي بصير هو خصوص كون الشك الذي يقضى من أجل علّة في السماء لقيده أبو بصير ولم يقيد ، ومعنى هذا الظاهر لكل أحد هو السؤال عن مطلق يوم الشك الذي يقضى ، هذا إذا لم نقل إن المراد منه بقرينة الجواب هو خصوص ما لو كان الشك فيه ناشئاً من غير العلّة ، بل كان من جهة الشبهة في رؤيته في بلاد اُخرى ولو كانت بعيدة لقول حسّاب أو غيرهم ، ولا إصرار لنا على كون السؤال إنما هو من هذه الجهة ، إلاّ أنه لا شك ولا شبهة في اطلاق يوم الشك الذي يقضى ولا أقل من عدم استفصال الإمام ( عليه السلام ) القاضي بشمول الجواب ، فلا إشكال في كون الجواب كالسؤال مطلقاً ، وأن ثبوت الرؤية للهلال إذا كان محققاً في بلاد ما ولو بعيدة كاف في وجوب القضاء لهذا اليوم ، وإن لم تكن ملازمة بين الرؤية في بلد الرؤية والبلد الآخر الذي يقضي فيه المكلف يوم الشك الذي لم يصمه . ثم لو فرض أن السؤال عن خصوص يوم الشك الذي كان من جهة علّة في السماء . ، فهل في علم الغيب أو في سؤال السائل كانت العلّة في خصوص الأفق دون ما يقرب منه وكان الثبوت عند أهل الصلاة الذين هم قريبون من أفق الشاك ، أليس العلة يمكن أن تكون موجودة في كثير من الآفاق كآسيا وإفريقيا وغيرهما التي لا ملازمة بين الرؤية للهلال فيها والرؤية فيها أيضاً ، فضلاً عن عدم الملازمة بين الرؤية فيها والرؤية في بلد الشاك ، وأن الثبوت عند أهل الصلاة أليس عاماً ، بل مقيداً بقيد تبرعي من القائل بالأفق القريب من بلد الشاك دون الآفاق البعيدة أوليس لهم كلهم سواء أكان بلدهم بعيداً عن أفق بلد الشاك أو قريباً ؟ ! وأما دعوى عدم تمامية الاستدلال بالجملتين في أنفسهما ، أما الأولى وهي قوله : « انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال : لا تقضه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر » فلدعوى القائل المذكور ان ظاهرها كفاية كون الشاهد على رؤية الهلال مسلماً ، وعدم اعتبار الايمان بالمعنى الخاص فيه ، وليس ظاهرها كفاية انبعاث الشهادة من أي من البلاد المسلمين إلاّ بضرب من التأويل والتقدير وهو بلاد أهل الصلاة ، ولا معنى لتأويل الرواية ثم الاستدلال بها . وهذا الكلام إن كان صدر الرواية ليس هو السؤال عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان ، بل كان صدرها هو هكذا « سئل عن الشاهد الذي يشهد على أنه متى كان رأس الشهر والذي تقبل شهادته في قضاء يوم الشك هل يعتبر فيه الايمان بالمعنى الخاص ، أو يكفي فيه أنه من أهل الصلاة وإن لم يكن بالايمان بالمعنى الخاص » لكان لدعوى هذا الظهور وجه ، فكيف يكون ظاهرها مع كون السؤال عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان - لا عن الشاهد - هو كون الشاهد مسلماً أو مؤمناً ؟ ! فهذه الدعوى خلاف الظاهر جزماً . ثم إن من الواضح دلالة الصحيحة على ما يقوله السيد الأستاذ « السيد الخوئي » بمقتضى دلالة الاقتضاء المعروفة ، وهي التي عرّفوها بما يتوقف عليها صحة الكلام شرعاً أو عقلاً ، ومثلوا للشرعي « باعتق عبدك عنّي » وللعقلي بقوله تعالى ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ) يوسف : 84 ومن الواضح فيها ان سؤال القرية سؤال أهل القرية وليس هذا تأويلاً ، فقوله ( عليه السلام ) « لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة ] - أي من جميع بلدان أهل الصلاة - [ متى كان رأس الشهر » وليس هذا ضرباً من التأويل كما هو أوضح من أن يخفى ، حتّى يقال : ليس البناء على الاستدلال بالرواية بعد تأويلها ، فإن الاستدلال بالآية المباركة على السؤال من أهل القرية ليس استدلالاً بها بعد تأويلها واخراجها عن ظاهرها ، بل هو استدلال