العيني

127

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

تسفير جمالهم إلى تحصيل الشعير والتبن وما يحتاجون إليه ، وجاءت الأمطار الكثيرة بإذن الله خارجة عن الحدّ والعادة ، واستمرت ليلاً ونهاراً عشرة أيام ، ثم أصبحت في نهار واحد من بكرة النهار إلى الظهر ، ثم شرعت وتزايدت إلى أن منعت المسافرين تشويشهم عن جلب الأشياء ، فضاقت بهم الأحوال ، فصار كل أمير إذا أراد طبخ شئ من الطعام يستر مطبخه باللبابيد الكثيرة حتى يتيسر إيقاد النار ، فأقامت المطر على منوال واحد أحداً وأربعين يوماً بلياليها ، لم يتلذذ فيها أحد بالنوم من شدة البرد والرّعد والمطر والثلج والبرد الذي يمنع الرجل عن القيام لمصلحته ، وكذلك بلغت أحوال الخيول فلا يقدر أحداً منها أن يضع جنبه على الأرض ولا يشرب الماء إلا من النهر الذي يجري بين يديه ، فتحسنت أسعار التبن والشعير وغير ذلك . قال صاحب النزهة : اشترينا الحمل من التبن بأربعين درهماً ، والعليقة الواحدة بثلاثة دراهم ، والخبز كل ثلاثة أرغفة بدرهم ، والرطل من اللحم بثلاثة دراهم ، وانقطع الجلب من سائر الأماكن ، ثم حصل بعد ذلك سيل عظيم من الأمطار والثلوج التي ذابت من الجبال وانحدر في النهر إلى أن فاض من جوانبه وارتفع إلى أن علا من فوق القنطرة ، وجاء عقيب ذلك برد عظيم جداً حتى مات من الغلمان جماعة كثيرة من البرد ، وتلفت حال العسكر ، وتلف جميع ما معهم من الثياب والقماش والخيام وأنواع [ 241 ] المأكولات بحيث أن أحداً ما كان يقدر على القعود في الخيام من المياه من كثرة المطر ، ثم أجمع رأيهم على الرحيل ، فنودي بالعسكر بالركوب بكرة النهار ، وأول من ركب وتقدم الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ، وقدّامه حزمة حطب على السرج ورماها في الوحل ، ثم