محمد جواد مغنية

12

التفسير الكاشف

( وقالَ - سليمان - يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) . أقر الإسلام فكرة المعجزة الخارقة على أيدي الأنبياء ، ومن أنكرها فليس بمسلم ، لأن هذا الإنكار تكذيب للَّه ورسوله ، وبالمعجزة وحدها نفسر معرفة سليمان بلغة بعض الطيور . . إن اللَّه سبحانه خصّ كل نبي بنوع خاص من المعجزات ، فكان نصيب سليمان تسخير الريح له وبعض الجن ، ومعرفته بلغة بعض الطيور والحشرات كالنمل « وأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ » . المراد بكل هنا الكثرة دون الشمول والاستغراق ، تماما كما تقول : فلان يملك كل شيء كناية عن كثرة أملاكه وتنوعها . وتدل الآية على أن للطيور إدراكا ولغة تتفاهم بها ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ - 38 الأنعام . « وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ والطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ » . و ( من ) هنا للتبعيض ، أي بعض الجن والإنس والطير . . وقلنا مرارا : اننا نؤمن بوجود الجن لأن القرآن يثبته والعقل لا ينفيه ، وقد كان لسليمان جيش من الجن والإنس والطير ، وكان لكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة قادة ومراقبون يحافظون على النظام في السير وغيره ، وهذا هو معنى يوزعون . العظات والعبر في نملة سليمان : « حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهُمْ لا يَشْعُرُونَ » . اختلف المفسرون في مكان هذا الوادي ، فمن قائل : انه في الطائف ، وقائل هو بالشام ، ومهما يكن فإن الآية تدل على أن للنمل إدراكا ولغة ونظاما ، وهذا ما أثبته العلم ، أما معرفة سليمان بلغة النمل فلا تفسير لها إلا بالمعجزة الخارقة . وتسأل : كيف سمع سليمان كلام النملة ، وبينه وبينها من البعد ما اللَّه أعلم به ، مع أن أحدنا لو أدخل النملة إلى أذنه لا يسمع لها صوتا ؟ . وجاء في بعض الروايات ان الريح حملت لسليمان كلام النملة . ويؤيد هذه الرواية قوله تعالى : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ - 36 ص .