محمد جواد مغنية
13
التفسير الكاشف
( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) . حين طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده أراد بالملك تسخير الرياح والجن والطير ونحوه ، لأن التمكين في الأرض قد منحه اللَّه إلى كثيرين ، ولما أتى سليمان على وادي النمل ، وحملت له الريح قول النملة وفهم معناه أدرك بأن هذا مما لا يكون لأحد من بعده ، فاغتبط بهذه النعمة ، وأدى حقها بالشكر للَّه ، ومجرد الشعور بأن هذه النعمة من اللَّه هو نوع من الشكر ، وأعظم أنواعه هو عمل الخير لوجه الخير . وكما دلت الآية على أن لسليمان دولته وجنوده ، وان اللَّه سبحانه قد ألهمه العلم بلغة النملة ومنطقها فقد دلت أيضا على أن للنملة دولتها ورعيتها ، وان اللَّه قد ألهمها العلم ببعض الآدميين وأسمائهم ، وإلا فمن أين لها العلم بأن هذا القادم العظيم بموكبه وجنوده هو سليمان بن داود ؟ . . انها عظيمة في عالمها تماما كسليمان في عالمه ، وانها تعدل في الرعية ، وترفق بها ، وتسهر على مصالحها ، وتؤدي حق الولاية كاملة ، كما يفعل سليمان وغيره من ولاة الحق والعدل . ومن تأمل وتدبر حادث النملة مع سليمان ينتهي إلى العبر والعظات التالية : 1 - ان النظام والتقدير يعم ويشمل جميع الكائنات من أصغر صغير كالنملة إلى أكبر كبير كالمجرّات : ولا تفسير لهذا النظام الدقيق ، والتدبير العجيب إلا بوجود قادر عليم : وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً - 2 الفرقان . 2 - ان المشاركة الوجدانية والشعور بالمسؤولية نحو الآخرين لا يختص بالإنسان ، بل يعم ويشمل الحيوانات والطيور والحشرات . . فهذه الذرة التي لا تكاد ترى بالعين حين أحست بالخطر على جماعتها ، وأبناء جنسها وقفت تحذرهم وتقول : « ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ » . وقد أورد أهل الاختصاص العديد من الشواهد على هذه الحقيقة من حياة الحيوان . 3 - ان اللَّه سبحانه إذا أنعم على عبد من عباده بنعمة كالعلم أو السلطان وغيره فعليه أن يشكر اللَّه ويتواضع له وللناس ، ولا يأخذه الخيلاء والعجب ، ويتطاول بنعمة اللَّه على الآخرين ، وأن يكون على يقين بأن هذه النعمة قد أنعم