العيني

209

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

عن جسده ، وانقلب السلطان على قفاه من قوة الضحك ، وتضاحكت المماليك ، وقام البيسري وهو خجلان ينفض ثيابه ، ولم يظهر في وجهه تعبا حتى لا يفهم عنه أنه غضب من ذلك الأمر ، فأشيع ذلك بين الأمراء ، وبلغ الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ، فصعب عليه ولم ينزل ذلك اليوم إلى الميدان حتى أرسل السلطان إليه ، فلما اجتمع بالبيسري أخذ يعنفه ويعتب عليه بما رضى لنفسه من ذلك الأمر ، وقال له : جعلتنا في آخر عمرنا مساخر والناس تضحك علينا . فقال له يا أمير بدر الدين : والله كان الموت أهون علي من ذلك ، ولكن خشيت الرجوع إلى الحبس بعد عشر سنين التي قاسيت فيها الذل والقيد والخوف [ 81 ] والوحدة وأنت معذور ، فلو قاسيت ما قاسيت لهان عليك كل شيء من هذا القبيل . ولما انقضى أمر الميدان طلب السلطان البيسري وطيب خاطره ، وقال يا بدر الدين : أنت ما فعلت هذا إلا محبة لي وامتثالا لأمري ، فقدرك عندي كبير ، وألبسه تشريفا أطلس كاملا ، وأنعم عليه زيادة على إقطاعه منية بني خصيب مائتي ألف درهم وخمسة آلاف إردب . قال صاحب التاريخ : فلأجل ذلك كان والده الملك المنصور يفضل أخاه الملك الصالح عليه ، وسلطنه قبله ، لما كان فيه من العقل والسكون والأدب ، وكان يرى من الأشرف نقيض ذلك . وقد حكى القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر أن الملك الصالح لما مات في حياة والده المنصور أشارت الأمراء عليه أن يولى أخاه الخليل ويلقبه الأشرف ،