محمد جواد مغنية
66
التفسير الكاشف
عنه ما لا غنى لهم عن معرفته . . وقد عزز اللَّه كل نبي ببينة جلية واضحة على صدقه في نبوته ، لتكون له الحجة على من أرسل إليهم ، والشرط الأساسي لهذه البينة أن تكون من نوع خاص يظهر على يد الأنبياء بالذات دون غيرهم حذرا من الخلط والاشتباه بين النبي وغيره . ولمحمد ( ص ) بيّنات ودلائل على نبوته ، منها هذا القرآن الذي عمت نسخه كل مكان ، وأذيعت سوره وآياته في المكبرات ، ومن الإذاعات في الشرق والغرب ، حتى من إسرائيل . . ووجه الدلالة أنه تحدى ، وما زال ، ولن يزال يتحدى كل منكر أن يأتي هو بنفسه ، أو يأتي بمن يأتي بسورة من مثله . وما نقل عن واحد قديما وحديثا انه استطاع أن ينقض هذا التحدي ، على الرغم من كثرة الجاحدين ، وعدائهم للإسلام والمسلمين ، وحيث ثبت العجز فقد ثبتت نبوة محمد ( ص ) بالبداهة . وبعد أن اتفق العلماء على أن القرآن معجزة اختلفوا في وجه الإعجاز وسره : هل هو الأسلوب والشكل من الجمال والروعة ، أو هو المضمون والمحتوى من العلم وقوانين التشريع ، والاخبار بالغيب ، وما إلى ذلك ، أو هما معا ؟ وقد أطالوا الكلام في بيان وجه الإعجاز ، ووضعوا فيه كتبا خاصة ، ولا أريد التطويل في ذكر ما قيل ، واقتصر على ما أراه وجها للإعجاز ، ويتلخص بأن الإنسان يستطيع أن يقلد ويحاكي إنسانا مثله في قول أو فعل تكلفا وتصنعا بالنظر إلى أن كلا منهما يصدر عن العقل والخيال ، اما ان يقلد ويحاكي خالقه وصانعه في أثر من آثاره فمحال ، لأن الإنسان لا يتجاوز حدوده كمخلوق ، مهما بلغ من القوة والعظمة . . ومن الخير أن ننبه على ما يلي : التحدي : أشرنا إلى أن محمدا تحدى المعاندين بالقرآن ، وليس من شك ان التحدي يتم ويصح إذا كان الفعل من النوع الذي يقدر عليه الشخص المقصود بالتحدي ، كما لو طلبت ممن له يد سليمة أن يضعها على رأسه ، أو يرفع بها ريشة من الأرض ، أما إذا طلبت من الأمي أن يقرأ ، ومن غير الطبيب أن يشفي المرضى ،