محمد جواد مغنية
67
التفسير الكاشف
ومن غير الشاعر أن ينظم الأشعار فلا يكون من التحدي في شيء . . وقد تحدى محمد ( ص ) المعاندين بما من شأنه أن بكون مقدورا لهم ، وهو الكلام ، فعجزوا عنه ، وعجزهم هذا أضفى على القرآن صفة المعجزة . وتسأل : ينبغي أن يكون معجزة بالنسبة إلى البليغ في اللغة العربية ، لا بالنسبة إلى الجاهل بها ، أو الضعيف من أهلها ؟ . والجواب : ان القرآن معجزة بما هو كلام اللَّه ، بصرف النظر عن العربي البليغ وغيره ، وانما نعرف المعجزة ، ونكتشفها من عجز العربي البليغ ، تماما كما نكتشف من عجز بطل السباحة العالمي في البحر الهائج عجز سواه ، مع التقدير بأنه الأول في بطولة السباحة . . وبتعبيرنا نحن الفقهاء ان عجز العربي البليغ سبب للمعرفة بمعجزة القرآن ، وليس جزءا ولا شرطا لها . هل لمحمد معجزة غير القرآن ؟ يرى البعض ان لا معجزة لمحمد ( ص ) الا القرآن ، أما أنا فمع الذين يؤمنون بأن معجزاته لا يبلغها الإحصاء ، لأن الحكمة الإلهية تستدعي تنوع المعجزة واختلافها باختلاف الموارد والأشخاص ، كما استدعت حكمته سبحانه أن يباهل نبيه نصارى نجران . . هذا إذا كان طالب المعجزة يبتغيها بصدق ، أما الكاذب المتعنت الذي لا يجدي معه شيء فيقتصر الأمر معه على القرآن ، لأن إعجازه مبدأ عام لا يختص بعصر دون عصر ، ولا بفئة دون فئة ، أو بفرد دون فرد . . وقد تستدعي الحكمة ان لا تعرض المعجزة على الشخص إطلاقا ، كما لو اكتفى بمجرد شعوره وإحساسه ، أو بيمين النبي ، فقد جاء في الأخبار ان رجلا قال لمحمد ( ص ) : ما لي وللمعجزات ؟ . . احلف باللَّه انك رسول اللَّه ، وأنا أومن بك . فقال الرسول : واللَّه اني رسول اللَّه . فقال الرجل : أشهد أن لا إله الا اللَّه ، وان محمدا رسول اللَّه . والذي يدلنا على أن آفاق محمد ( ص ) ومعجزاته أعظم من أن يبلغها الإحصاء ان رجل الدين فيما مضى كان يستدل على نبوة محمد ( ص ) بما جاءت به الأخبار من تكلم الحصى له ، وسعي الشجرة إليه ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وكان