عبد الوهاب بن علي السبكي
169
طبقات الشافعية الكبرى
وقلبني وفوعني حتى لم يدع في باطني شيئا إلا أخرجه وهذه اللجلجة من بقايا تلك الآثار فانظر إلى هذا الأمر العجيب وإلى هذا الرجل الغريب الذي يحاسب نفسه على يسير جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم أخذ الإمام في الفقه على والده وكان والده يعجب به ويسر لما يرى فيه من مخايل النجابة وأمارات الفلاح وجد واجتهد في المذهب والخلاف والأصولين وغيرها وشاع اسمه واشتهر في صباه وضربت باسمه الأمثال حتى صار إلى ما صار إليه وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه وسلك طريق البحث والنظر والتحقيق بحيث أربى على كثير من المتقدمين وأنسى تصرفات الأولين وسعى في دين الله سعيا يبقى أثره إلى يوم الدين ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلم أهل الأرض بالكلام والأصول والفقه وأكثرهم تحقيقا بل الكل من بحره يغترفون وأن الوجود ما أخرج بعده له نظيرا وأما التفضيل الذي كان بينه وبين من تقدمه فقد طال الشرح فيه في عصره ولا نرى للبحث عن ذلك معنى ثم توفي والده وسنه نحو العشرين وهو مع ذلك من الأئمة المحققين فأقعد مكانه في التدريس فكان يدرس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البيهقي حتى حصل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسفرايني وكان يواظب على مجلسه