عبد الوهاب بن علي السبكي
418
طبقات الشافعية الكبرى
الحقيقة في الكتاب لا يقتضى حلوله فيه ولا انفصاله عن ذات المتكلم قال الله سبحانه « النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل » فالنبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة مكتوب في التوراة والإنجيل وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف محفوظ في قلوب المؤمنين مقروء متلو على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز معبود في مساجدنا معلوم في قلوبنا مذكور بألسنتنا وهذا واضح بحمد الله ومن زاغ عن هذه الطريقة فهو قدري معتزلي يقول بخلق القرآن وأنه حال في المصحف نظير ما قالوا إنه لما أسمع موسى عليه السلام كلامه خلق كلامه في الشجرة وهذا من فضائح المعتزلة التي لا يخفى فسادها على محصل وذلك أن عند الجبائي الذي هو رئيس القدرية البصرية أن القرآن يحل في جميع المصاحف ولا يزداد بزيادة المصاحف ولا ينقص بنقصانها وهو حال في حالة واحدة في ألف ألف مصحف وإذا زيد في المصاحف يحصل فيها وإذا نقصت المصاحف وبطلت لم يبطل الكلام ولم ينقص ولئن لم يكن هذا قولا متناقضا فاسدا فلا محال في الدنيا وأما البغداديون من المعتزلة فعندهم كلام الله عز وجل كان أعراضا حين خلقه والقرآن عندهم كان أعراضا ولا يجوز عندهم البقاء على الأعراض فعلى مذهبهم ليس لله إلا كلام موجود على الحقيقة والقرآن الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم ليس بباق اليوم ولا موجود ومن ينتحل مثل هذه البدع ثم يرمى خصمه بما هو برئ منه فالله سبحانه حسيبه وجميع أهل التحصيل شهداء على بهته وأما ما قالوا إن الأشعري يقول بتكفير العوام فهو أيضا كذب وزور وقصد من يتعنت بذلك تحريش الجهلة والذين لا تحصيل لهم عليه كعادة من لا تحصيل له في تقوله بما لا أصل له وهذا أيضا من تلبيسات الكرامية على العوام ومن لا تحصيل له