سيد محمد طنطاوي
98
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم اللَّه - تعالى - لها وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق - أي : فصيح بليغ - ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال - سبحانه - ممن أدبر وتولى . أي : ممن كذب بقلبه ، وترك العمل بجوارحه « 1 » . * ( وجَمَعَ فَأَوْعى ) * أي جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أي : فأمسكه في وعائه وكنزه ومنع حق اللَّه - تعالى - فيه ، وبخل به على مستحقيه . فقوله * ( فَأَوْعى ) * أي : فجعله في وعاء . وفي الحديث الشريف ، يقول صلى اللَّه عليه وسلم : « لا توعى - أي لا تجمع مالك في الوعاء على سبيل الكنز - فيوعى اللَّه عليك » - أي : فيمنع اللَّه - تعالى - فضله عنك ، كما منعت وقترت . وفي قوله - سبحانه - * ( وجَمَعَ ) * إشارة إلى الحرص والطمع ، وفي قوله * ( فَأَوْعى ) * إشارة إلى بخله وطول أمله . قال قتادة : * ( جَمَعَ فَأَوْعى ) * : كان جموعا للخبيث من المال . وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ، وعن سوء عاقبة المكذبين . . اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا النفوس البشرية في حالتي الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود . . واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين الصادقين ، فقال - تعالى - . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 19 إلى 35 ] إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّه الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وإِذا مَسَّه الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) والَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ( 25 ) والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) والَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 29 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 31 ) والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 32 ) والَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) والَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 ) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ( 35 )
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 252 .