سيد محمد طنطاوي

93

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال - سبحانه - * ( بِعَذابٍ واقِعٍ ) * ولم يقل بعذاب سيقع ، للإشارة إلى تحقق وقوع هذا العذاب في الدنيا والآخرة . أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل في غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، وأبو جهل وغيرهما ، وأما في الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى . ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال : * ( لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَه دافِعٌ . مِنَ اللَّه ذِي الْمَعارِجِ ) * . واللام في قوله * ( لِلْكافِرينَ ) * بمعنى على . أو للتعليل . أي : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم ، لأنه واقع من اللَّه - تعالى - * ( ذِي الْمَعارِجِ ) * . والمعارج جمع معرج ، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ولَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ « 1 » . وقد ذكر المفسرون في المراد بالمعارج وجوها منها : أن المراد بها السماوات ، فعن ابن عباس أنه قال أي : ذي السماوات ، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها . ومنها : أن المراد بها : النعم والمنن . فعن قتادة أنه قال : ذي المعارج ، أي : ذي الفواضل والنعم . وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب ، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة . ومنها : أن المراد بها الدرجات التي يعطيها لأوليائه في الجنة . وفي وصفه - سبحانه - ذاته ب * ( ذِي الْمَعارِجِ ) * : استحضار لصورة عظمة جلاله ، وإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف هذا العذاب الواقع على الكافرين . بجملة من الصفات ، لتكون ردا فيه ما فيه من التهديد والوعيد للجاحدين ، الذين استهزؤا به وأنكروه . والمراد بالروح في قوله : * ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) * : جبريل - عليه السلام - وأفرد بالذكر لتمييزه وفضله ، فهو من باب عطف الخاص على العام . والضمير في « إليه » يعود إلى اللَّه - تعالى - . أي : تصعد الملائكة وجبريل - عليه السلام - معهم ، إليه - تعالى - .

--> ( 1 ) سورة الزخرف الآية 33 .