سيد محمد طنطاوي
94
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله ، من المتشابه الذي استأثر - سبحانه - بعلمه . مع تنزيهه - عز وجل - عن المكان والجسمية . ولوازم الحدوث ، التي لا تليق بجلاله . وقيل : « إليه » أي : إلى عرشه - تعالى - أو إلى محل بره وكرامته . قال القرطبي ما ملخصه : قوله : * ( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) * أي : عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد ، خمسين ألف سنة . وعن مجاهد : هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا ، من أول ما خلقت إلى آخر ما بقي منها ، خمسون ألف سنة . وقال ابن عباس : هو يوم القيامة ، جعله اللَّه على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة . ثم قال القرطبي : « وهذا القول أحسن ما قيل في الآية - إن شاء اللَّه - بدليل ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم » في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة « ، فقلت : ما أطول هذا ؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم » والذي نفسي بيده ، إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا » . وفي رواية عن ابن عباس - أيضا - أنه سئل عن هذه الآية فقال : أيام سماها اللَّه - عز وجل - ، وهو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم . وقيل : ذكر خمسين ألف سنة تمثيل - لما يلقاه الناس في موقف الحساب من شدائد ، والعرب تصف أيام الشدة بالطول ، وأيام الفرح بالقصر « 1 » . وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - في سورة السجدة أنه يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ . وقال في سورة الحج : وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وذكر هنا * ( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُه خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) * . والجمع بين هذه الآيات من وجهين : أولهما : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة التي خلق اللَّه - تعالى - فيها السماوات والأرض . ويوم الألف في سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - . ويوم الخمسين ألفا هنا : هو يوم القيامة .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 282 .