سيد محمد طنطاوي
86
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم ، ومن أساليبه البديعة ، إذ لم يسمع عن العرب أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع الوتين . ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال : * ( فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْه حاجِزِينَ ) * . أي : فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا عنه ، أو يحول بيننا وبين ما نريده ، فالضمير في « عنه » يعود إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : التقول : افتعال القول ، كأن فيه تكلفا من المفتعل ، وسمى الأقوال المتقولة « أقاويل » ، تصغيرا بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول . والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم . معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده ، وتضرب رقبته . وخص اليمين عن اليسار ، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفا المقتول أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف - وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه . ومعنى : * ( لأَخَذْنا مِنْه بِالْيَمِينِ ) * : لأخذنا بيمينه . كما أن قوله : * ( ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الْوَتِينَ ) * : لقطعنا وتينه ، والوتين : نياط القلب ، وهو حبل الوريد ، إذا قطع مات صاحبه « 1 » . وفي هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - لأنه لو كان - كما زعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لما نطق بهذه الألفاظ التي فيها ما فيها من تهديده ووعيده . كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يتقول شيئا . . وإنما بلَّغ هذا القرآن عن ربه - عز وجل - دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا . . لأن حكمة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب ، ومن يزعم أن اللَّه - تعالى - أوحى إليه ، مع أنه - سبحانه - لم يوح إليه .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 607 .