سيد محمد طنطاوي

87

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - * ( وإِنَّه لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) * معطوف على قوله : * ( إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * . أي : إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن اللَّه - تعالى - وإنه لتذكير وإرشاد لأهل التقوى ، لأنهم هم المنتفعون بهداياته . وقوله - تعالى - : * ( وإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ) * تبكيت وتوبيخ لهؤلاء الكافرين ، الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق . أي : وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب للحق عن جحود وعناد ، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكي يبلغه إليكم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسنجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وقوله - سبحانه - : * ( وإِنَّه لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ) * بيان لما يكون عليه الكافرون من ندم شديد ، عندما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء مصير المكذبين . والحسرة : هي الندم الشديد المتكرر ، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن تداركه . أي : وإن هذا القرآن الكريم ، ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة شديدة وندامة عظيمة ، على الكافرين ، لأنهم يرون المؤمنين به في هذا اليوم في نعيم مقيم ، أما هم فيجدون أنفسهم في عذاب أليم . وقوله : * ( وإِنَّه لَحَقُّ الْيَقِينِ ) * معطوف على ما قبله ، أي : وإن هذا القرآن لهو الحق الثابت الذي لا شك في كونه من عند اللَّه - تعالى - وأن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم قد بلغه إلى الناس دون أن يزيد فيه حرفا ، أو ينقص منه حرفا . وإضافة الحق إلى اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أي : لهو اليقين الحق ، أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين ، كما في قوله : حَبْلِ الْوَرِيدِ ، إذ الحبل هو الوريد . والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد . وقد قالوا : إن مراتب العلم ثلاثة : أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين اليقين ، ويليها : علم اليقين . فحق اليقين : كعلم الإنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم . وعين اليقين : كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه . . وعلم اليقين : كعلمه بأن الموت سينزل به لا محالة مهما طال الأجل . . والفاء في قوله - تعالى - * ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ