سيد محمد طنطاوي

56

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

تلبسه المرأة في رجلها - وهو جمع خدمة كرقاب جمع رقبة - مثل في شدة الأمر ، وصعوبة الخطب ، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب ، وإبداء خدامهن عند ذلك . . كما قال الشاعر : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن سوقها الحرب شمرا فمعنى يوم يكشف عن ساق : يوم يشتد الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ولا ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثمّ ولا غل ، وإنما هو مثل في البخل . . فإن قلت : فلم جاءت منكرة في التمثيل ؟ قلت : للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة ، فظيع خارج عن المألوف . . « 1 » . والمعنى : اذكر لهم - أيها الرسول الكريم - لكي يعتبروا ويتعظوا أهوال يوم القيامة ، يوم يشتد الأمر ، ويعظم الهول . * ( ويُدْعَوْنَ ) * هؤلاء الذين فسقوا عن أمر ربهم في هذا اليوم * ( إِلَى السُّجُودِ ) * للَّه - تعالى - على سبيل التوبيخ لهم ، لأنهم كانوا ممتنعين عنه في الدنيا . . * ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) * أي : فلا يستطيعون ذلك ، لأنه اللَّه - تعالى - سلب منهم القدرة على السجود له في هذا اليوم العظيم ، لأنه يوم جزاء وليس يوم تكليف والذين يدعونهم إلى السجود ، هم الملائكة بأمره - تعالى - . وقوله : * ( خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ . . . ) * حال من فاعل * ( يُدْعَوْنَ ) * وخشوع الأبصار : كناية عن الذلة والخوف الشديد . ونسب الخشوع إلى الأبصار ، لظهور أثره فيها . أي : هم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ذلك . لأنه - تعالى - سلب منهم القدرة عليه ، ثم يساقون إلى النار ، حالة كونهم ذليلة أبصارهم ، منخفضة رؤسهم . . * ( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) * أي : تغشاهم وتعلوهم ذلة وانكسار . . * ( وقَدْ كانُوا ) * في الدنيا * ( يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) * للَّه - تعالى - * ( وهُمْ سالِمُونَ ) * أي : وهم قادرون على السجود له - تعالى - ، ومتمكنون من ذلك أقوى تمكن . . . ، ولكنهم كانوا يعرضون عمن يدعوهم إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، ويستهزئون به . . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : * ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ . . . ) * يعنى يوم القيامة ، وما يكون فيه من الأهوال ، والزلازل ، والبلايا ، والامتحان ، والأمور العظام . .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 594 .